أولويات التربية والممارسات الاقتصادية قبل الثانوية لصناعة رائد أعمال شاب

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

من المؤكد أن التغير في المرحلة العمرية يتبعه التغير في العديد من الجوانب الانفعالية والسلوكية والمعرفية، والطفل يكتسب من الأسرة القيم والاتجاهات التي يكونها حول مجتمعه، والاتجاه الاقتصادي يتحدد بفعل مجموعة من العوامل التي تعمل على توجيهه في هذا المسار استهلاكيًا كان أو إنتاجيًا ومن أبرز هذه المحددات الأسرة ونسق التنشئة السائد، والقدوة الاقتصادية و مناخ الثقافة الاقتصادية السائد، والحرية الاقتصادية كمفرز للنظام السياسي عامة …إلخ

ويكتسب الطفل عبر كل مرحلة من مراحل التعليم مجموعة من المعارف المعينة على الوصول إلى هذا التوجه من خلال التنشئة الاجتماعية والتي تلعب الأسرة أكبر الدور في تثبيتها وتقويتها. والتغيرات التي تطرأ على الطفل في هذه المرحلة تلعب دورًا هامًا في تحديد مفهوم الذات والتي من خلالها يكون تصورًا ما عن نفسه والمحيط الاجتماعي له.

وبقدر ما يتمكن الفرد من تكوين مفهوم اقتصادي إيجابي عن نفسه بأنه شخص منتج وقادر على الاستقلال بنفسه بقدر ما يكون مؤهلاً للمناصب القيادية والمراتب العليا في المجتمع، وبقدر ما تتكون له مقومات التفوق والتي من خلالها يمكن أن يكون عضوًا فاعلاً في البناء الاقتصادي والاجتماعي لمجتمعه .

وفي ضوء ما تم تناوله في المقال الماضي عن الأولويات الاقتصادية وأهمية مجادلة نسق القيم الاجتماعية والاقتصادية السائد إعلاء للرؤية الذاتية للفرد وتحقيقًا لمبدأ الاستقلال الاقتصادي ، يكون من الضروري استتباع هذه الرؤية بأولويات التربية الاقتصادية في مرحلة الإعدادية والتي تتمثل في :

الانتظام في العمل 

في هذه المرحلة لابد أن يتعلم الطفل العمل يوميًا بشكل منتظم ولو لساعتين فقط، بخلاف المرحلة الابتدائية والتي كان العمل فيها يغلب عليه الطابع الرمزي؛ لأن الطفل عندما يكبر ويتعرف على المفاهيم الاقتصادية كالأعداد والنقود فإنه يحتاج إلى أن يضاف إليه مفهوم العمل أو السعي؛ حتى يمكنه الوقوف على العلاقة الحقيقية بين العمل والربح الاقتصادي ويقوده هذا إلى المزيد من الاجتهاد والتخطيط والتفكير الناقد للأداء الاقتصادي له.

وسواء كان عمل الطفل بيعًا لمنتجات غذائية أو ألعاب أطفال أو عمل في متجر مع شخص ذي صلة أو معرفة به؛ فإن هذا الانتظام يؤكد لديه مفهوم الجدية وتحمل المسوؤلية ناهيك عن تدريبه على بعض مهارات التفكير كتوزيع التفكير ؛ إذ يوائم بين أهداف وأولويات العمل لديه وأولويات وأهداف المرحلة التعليمية دون تناقض ويعرف المرحلة التي عندها ينحاز إلى جانب على حساب الآخر مؤقتًا حتى يفرغ منه .

استخدام أساليب التسويق الحديثة 

امتدادًا لما يكون الطفل قد تدرب عليه من قبل في مرحلة الابتدائية فالمفترض في حالة استيعابه للمدخلات الماضية أن يكون قد تحول إلى مرحلة يكون فيها أكثر دراية بالتسويق الإلكتروني ، وبالتالي يكون قد نمت لديه بعض مهارات العمل التجاري الحقيقي كالتواصل والتفاوض . وفي هذه المرحلة فنجاح الطفل في الاستمرار في العمل التجاري سيكون معتمدًا بدرجة كبيرة على معرفته بدرجة أكبر من تفاصيل أساليب التواصل مع الشركات والمؤسسات التجارية ، فيكون على سبيل المثال على علم بكيفية عمل إعلان ممول، والشراء من خلال الإنترنت.

ومن ناحية أخرى، فمن الضروري أن يتدرب على معرفة الخصائص الدعائية والإعلانية، وأنواع الإعلانات وأشكالها، والثقافة التسويقية، والتواصل مع المسوقين وبعض أساليب الدعايا الشخصية حتى ينجح في تحصيل قدر أكبر من الربح الاقتصادي يزيد من ثقته في نفسه ويؤكد لديه أن التميز في هذه المرحلة يقود إلى تميز في المراحل الآتية، وأن المعرفة في ذاتها هي الطريق إلى الرفاهية الاقتصادية شرط أن تكون معرفة مفيدة وعملية ( حال مقارنتها بما يتم تعليمه في المناهج الدراسية الرسمية غالبًا) .

الدورات التدريبية 

بخلاف ما جرى العرف عليه في أدبيات التفكير والتربية الشعبية السائدة بأن كلمة دورة تدريبية لا تطرق على المسامع إلا بعد انتهاء الحياة الجامعية؛ ففي هذه الحالة ومراعاة لأهمية بناء إنسان متميز يراهن على المعرفة والنضج المتنامي بفعل التربية المستقلة يبدأ طالب هذه المرحلة الانتظام في سلك الدورات التدريبية، والتي تتماشى مع التوجه الذي تم إعداده له، وهنا يكون من الضروري مراعاة أن تكون الدورات حقيقية فاعلة ليست سد خانة ولا إبراء للذمة.

ومن الدورات الأكثر إفادة في هذا المجال : دورات اللغات، دورات عمل المشروعات متناهية الصغر، ودورات تنمية الذات والتي يتم تسميتها – بتعميم خاطئ – بالتنمية البشرية فيتعلم التفكير الإيجابي، وإدارة الوقت، وتحديد الأهداف بحيث تنمي الأفق المعرفي له في المستقبل وتعلي من مفهوم الذات لديه عن نفسه وبواقعية.

لكن السؤال الحقيقي الذي لابد من طرحه : لماذا لا يتوجه الطلاب إلى هذه الدورات في مرحلة الثانوية العامة قبل الجامعة ؟ ولماذا لا تتم إلا بعد الفروغ من الجامعة على الرغم من أن الخبرات التي تكتسب منها هي خبرات عامة غالبًا غير متخصصة ؟ هذا يقودنا إلى التأكيد على أن النمط الاتكالي وإفرازاته التربوية قد امتدت لتشمل الإعداد المتأخر للحياة الاقتصادية بسبب غياب مفهوم الدافعية والإنجاز في ضوء الانخراط في سلك التعليم الرسمي الموجه .

قصص النجاح 

لابد للإنسان من وجود نماذج وقدوات مرجعية يعتمد عليها في مسار أدائه المهني، وتتكون هذه القدوة من خلال تفاعل الفرد مع المجتمع واكتسابه التطبيع الاجتماعي، وتلعب الأحاديث الشخصية الدائرة في فلك الأسرة والرفاق والإعلام ومجموعات العمل دورًا كبيرًا في إبراز مفهوم القدوة.

وعليه : فمن الضروري للمربي إطلاع الأبناء على قصص النجاحات المتعددة لرجال الأعمال المعاصرين من شتى الجنسيات والتوجهات والثقافات حتى لا يرتبط النجاح الاقتصادي عند الفرد بعرق أو ثقافة أو لغة أو دين أو جنسية …إلخ وفي هذه الحالة خلافًا للمرحلة السابقة والتي يكون الهدف منها فقط مجرد التحفيز – وهو ما لم يتم ذكره سهوًا في المقال الماضي – يكون الهدف في هذه الحالة بناء الشخصية الناقدة وهذا النقد يكون معادلا لمفهوم النقد الاجتماعي والسياسي (التحليل الاقتصادي )تفاديًا لكلمة نقد وما تشير إليه من دلائل مختلفة كالانتقاد أو العملة الورقية ..

إن تدريس قصص النجاح للأطفال ومعرفة وجوه التشابه والاختلاف بينهم جميعًا من شأنه أن ينمي لدى الأطفال الرؤية الاقتصادية والحافزية نحو الأهداف التي رسموها لأنفسهم بمساعدة الأسرة، كما أنه يكون لديهم آليات للتوجيه في المسار الاقتصادي، ويؤكد مفهوم الخبرة غير المباشرة والتي من خلالها يستفيد الفرد من نجاحات وأخطاء غيره ليكوِّن لنفسه المسلك أو المسار الاقتصادي الخاص به .

الاطلاع على القاموس الاقتصادي 

من الضروري الإشارة إلى أن التربية ليست إعدادًا للحياة وإنما هي الحياة نفسها، وبالتالي يكون من الضروري أن يُطلَع الفرد على كل ما يوسع أفقه لمواجهة الحياة وتغيراتها المنتظرة، ومن هنا فإن الضرورة ملحة لتوجيه الأبناء إلى الاطلاع على المفاهيم الاقتصادية حتى ولو لم يكونوا يدركونها تفصيلاً ولكن لمجرد أخذ الفكرة عنها استعدادًا للمرحلة التي سيدركون فيها أبعاد هذه الدلالات وأنها جزء لا يتجزأ من بيئاتهم .

ومن هذه المصطلحات : الدخل الثابت- الدخل المتغير- الإيراد – المصروفات- الميزانية- الضرائب- نوع النظام الاقتصادي – الادخار- الاستثمار – العلاقة بين العرض والطلب، القنون التجاري- التجارة الداخلية والخارجية، التوسع، المؤسسية ….إلخ .

والذي ينبغي الإشارة إليه هو أن الرهان الحقيقي لابد أن يكون على استعداد الأبناء للتعلم وقابليتهم للاستثارة المعرفية والسلوكية من خلال بناء مفاهيم إيجابية عن ذواتهم انطلاقًا من التربية القائمة على تعميق مفهوم الاستقلالية الاقتصادية لهم ، لهذا فليس في هذه النقاط المطروحة من تجاوز للواقع، فالطفل الذي يتحمل أعباء الدراسة مرغمًا من باب أولى أنه سيجد في هذه الممارسات العملية ذاته التي يبحث عنها لاسيما وأنه قد نشأ عليها عن إيمان وقناعة لا عن إجبار موجه برؤية الأنظمة الرسمية .

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *