الاستهلاك التفاخري “حول مفهوم السعادة” مع محمد الحاجي

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

في حلقةٍ استمعت لها من بودكاست معنى، كان المتحدث فيها باحث الدكتوراة في العلوم السلوكية والاجتماعية د. محمد الحاجي، وطرح في حديثه “مفهوم السعادة” بإشكالياته المتعددة والدراسات والنتائج التي تدور حول ماهية السعادة، وكيف يصبح الإنسان سعيدًا؟ وهل هي هبة ربانية “حظ” أم هي صناعة فردية، بمعنى أن كل شخص قادر على صناعة سعادته الخاصة به؟

من منطلق كون أن السعادة أصبحت في زمن العزلة وتقديس الذات شيئًا فرديًا يسعى الفرد إلى الحصول على السعادة بمجهوده الخاص، وارتباطها “بنزعة التسوّق والاستهلاك” كما ذكرها محمد، كان موضوعه الرئيس عن “الاستهلاك التفاخري” وكيف أن السعادة أصبحت مظهرًا وشكلًا سطحيًا أكثر من كونها أمرًا جوهريًا ينبع من داخل الإنسان، فتمركز مفهوم السعادة حول ما يملكه الإنسان من ممتلكاتٍ باهظة الثمن، وإنجازاتٍ يصل إليها ويحققها، كترقيةٍ أو هدفٍ كبيرٍ يود بلوغه.

ذكر “أن السعادة عُرفت عبر التاريخ بكونها حظ، أي شيء لا يتم صنعه، وإنما يأتي للإنسان كـهِبة”

أمّا سقراط وأفلاطون “حصروا السعادة في الفلسفة وفِهم الجمال وتعلّم الحكمة، بمعنى أنهم أعطوا الفرد قدرة صناعة السعادة ولو بشكلٍ بسيطٍ ضمن النطاق الضيق الذي فرضوه”

ثم جاء الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ليتفق معهم في أن “السعادة أمر فرديّ وخاص، قابل للصنع ولا يتطلّب تدخّل ظروف خارجية”

ارتبط هذا بشكلٍ إيجابي بالاستهلاك والمنتجات في التسويق لها بربطها بالعاطفة، وهذا ما نلحظه من استهلاك العاطفة بشكلٍ كبير في التسويق لمنتجٍ معين، لما لها من أثرٍ واضحٍ في التأثير على المستهلك بارتفاع نسبة الربح للمنتج وتكوين صلة وتعزيز الولاء مع العميل.

بالتالي أصبح الاستهلاك ممارسة اجتماعية تضيف قيمةً للشخص وتحدد مكانته في المجتمع، أي أن السلعة هي ما يضيف للفرد قيمة، وليس لحاجتها أو استخدامها، وإنما “لوظيفتها الرمزية في تميّز الفرد عن غيره”.

على إثر هذا قال عالم الاقتصاد الأمريكي ثورستين فيبلين “كلما زاد سعر السلعة زاد الطلب عليها” وهذا ينفي الفكرة التي كانت شائعة وناجحة سابقًا “كلما زاد سعر السلعة قلّ الطلب عليها”. بالتأكيد هذا يقتصر على فئةٍ معينةٍ من المجتمع.

بهذا تحوّلت السعادة من كونها شعورًا ومسؤولية مرتبطة بالجماعة والمشاركة إلى مفهومٍ فردي محصور حول الممتلكات والإنجازات واستعراض الفرد بها، أصبح اللهث طاغيًا في الحصول على كل ما هو مادي وثمين ومميز ليضيف قيمةً للفرد.

ولكن لم تنجح كل المعايير المادية في تحقيق هذه السعادة، فالمادة وما تُنتجه ما هو إلا شعور لحظي يخفُت فورًا بعد مرور وقتٍ قصير، لتظل تلهث في سبيل الحصول على شيءٍ آخر يحقق أو -يجدد- هذه السعادة اللحظية، ويحدث هذا في ظل توافر العديد من الخيارات -والذي يعد بالطبع أمرًا سلبيًا- فأنت تنتقل من الخيار الذي حصلت عليه إلى خيارٍ آخر متاحٍ لك، وهكذا تظل في دوّامةٍ و تنقلاتٍ مستمرة، ولهثٍ لا يتوقف حول البحث عن السعادة دون أن تقبض على معناها وجوهرها أو شعورها الحقيقي، فكل ما تسعى إليه مجرد زيف تخدع نفسك به كتعويض.

كما ربط محمد هذا المفهوم المادي للسعادة بوسائل التواصل الاجتماعي في كونها سببًا رئيسًا في تفاقم هذه المشكلة كونها تعزّز فكرة المقارنة وتدعمها، فتجعلك مهووسًا بمقارنة ذاتك بمن هم مثلك ولكن تجاوزوك بمراحل في حياتهم الاجتماعية أو الدراسية أو الاقتصادية، فتبدأ بلوم نفسك وتوبيخها، وتستمر بالضغط عليها لترتفع لمستواهم، مع إهمالك لجانب الأمان والاستقرار الذي يعد السبب الحقيقي الفاعل في تحقيق السعادة.

ويعد قول محمد “الإشباع الفوري إستراتيجية مغرية في هذه الحياة التي تعتمد على الاستهلاكية” حقيقي جدًا ويعكس واقع اليوم.

“البشرية افتقدت للتفكير بعيد المدى، لأن الأشياء أصبحت ذات عمر استهلاكي قصير”

“تم تشيئ السعادة واختزالها في معايير مادية”

ولكن في ظل مختلف هذه الدراسات والأبحاث وتعدد النتائج حول مفهوم أو حقيقة السعادة، تصل في النهاية لتلتقي كلها عند نقطةٍ واحدة “أنت تحتاج للآخرين حتى تكون سعيدًا”

وهذا يُحيلنا للقياس على واقع حياتنا وعلاقاتنا ومن نتعايش معهم ومن نحب، فسلامة علاقاتك مع الآخرين هي ما تحدد سعادتك من عدمها.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778