البرازيل.. والولع برياضة كرة القدم

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

كرة القدم هي اللعبة البريطانية المحترمة التي أطلق عليها البرازيليون فيما بعد اسم Futibol تبنّاها شعب البرازيل، وأصبحت رياضية راسخة في صميم الحياة، تثير عند الأفراد والجماعات مشاعر حماسية. وبعد مقاومة بدائية، أصبحت كرة القدم أكثر وسيلة من وسائل التسلية شعبية، تجمع بين عناصر المنافسة بأداءٍ بدني حر، ربما لأن كرة القدم لعبة جماعية تتجسد فيها بصورةٍ رمزية فكرة مجتمع قائم بذاته، كالبيت، والأسرة، يرتبط به المرء بوشائح وثيقة، من ألفة، وتعاطف، وحب.

وثمة عنصر آخر يفسر شغف البرازيليين بكرة القدم: ذلك أنها رياضة تؤدى بالأقدام لا بالأيدي، مما يضيف بالصدفة عنصراً آخر، ويتطلب من اللاعبين مستوى تقنياً عالياً، يصاحبه شك ممتع في نتيجة المباراة، حتى بين فرق مختلفة المستوى.

وعلى العكس من ذلك تبنّت الولايات المتحدة نمطاً مختلفاً من كرة القدم، يلعب باليد، ويتطلب مهارة تقنية غير عادية، وخطة خاصة، الأمر الذي يستبعد تدخل عامل الصدفة في مباراة تجري بين فريقين مختلفي القوة. وعلى ذلك فإن قانون لعب الكرة باليد يجعل من غير الميسور وجد تفاوت كبير بين الفرق، الأمر الذي ربما يعكس الميل إلى العقلانية العلمية، والتجريد، والتخصص في مجتمعات ذات تقاليد ديموقراطية راسخة.

وهكذا فإن استخدام الأقدام، في مقابل استخدام الأيدي، يتطلب تحريك الجسم كله، وبخاصة السيقان والأكفال (جمع كفل) وهي أعضاء من بنية الإنسان لها أهمية رمزية كبرى في البرازيل. مثال ذلك: أننا نقول عن شخص بارع في التخلص من المآزق الحرجة أنه يملك ” أكفالاً بارعة” وهو تعبير يطلق أيضاً على السياسي الماكر، ولاعب كرة القدم الماهر.

وتتميز كرة القدم التي يمارسها البرازيليون في بلادهم، براعة كبيرة في استخدام اللاعبين أجسامهم وأرجلهم معاً. وربما هناك في الاعتماد الكلي على القدمين صدى لم يزل باقياً في الذاكرة لما يسمونه ”كابويرا” capoeira وهو أسلوب أهلي في المصارعة كان يمارسه العبيد الآتين من أفريقيا، يستخدمون فيه الأرجل والأقدام فقط لإسقاط الخصم.

وأصبحت كرة القدم أداة مفضلة للتعبير بشكلٍ مسرحي عن العديد من مظاهر المجتمع البرازيلي: أولاً، وبالأخص لأنها عامل هام من عوامل التكامل الإجتماعي، إذ تثبت أن في إمكان البرازيليين أن يعملوا معاً بصورةٍ منسقة لإحراز الفوز.

والواقع أن هذا النوع من التماثل الإيجابي الصريح نادر نسبياً في الحياة اليومية الجارية في البرازيل، حيث يبدو أن معظم المؤسسات قد أصابها الارتباك بالتدريج تحت الضغوط الاقتصادية، والتحيز الذي يثبط همة المواطن. إلا أن كرة القدم هي أيضاً أداة قوية للتكامل الاجتماعي تتيح لكل فرد أن يشارك في النصر، وفي كل ما يسميه العالم الحديث ”النجاح”، وأن القليل من البرازيليين هم الذين يملكون القدرة على هذا النجاح في مجتمع ذي طبقات متدرجة، إذ تتركز الثروة في أيدٍ قليلة.

إن النشوة الجماعية التي تسرى بين الجماهير المحتشدة في الملعب، وهي فريسة لكل أشكال التوتر العقلي والبدني، وكل واحد يساند فريقه، واللاعبين الذين يحبهم، بجسمه وروحه، هذه النشوة ليست مجرد تجربة خاوية لأنها قد تؤدي إلى نصر الفريق.

وكرة القدم التي تقدم عرضاً معقداً يخضع مع ذلك لقواعد بسيطة يستطيع كل إنسان أن يفهمها، تؤكد أن الفريق الأحسن يمكنه أن يفوز، وأن التدريب والتقنية، وقليلاً من الحظ يمكن أن تؤدي إلى النصر، خاصةً أن الناس كلهم سواء حيال قواعد اللعبة، من أبطال، أو فرق صغيرة وكبيرة، وأندية غنية وأندية فقيرة، وسود وبيض، وعلماء وأميين.

وتعتبر كرة القدم من هذه الوجهة مدرسة الديموقراطية والمساواة. ذلك لأننا حين ننظر إلى فريقنا وهو يناور ويحاور على المضمار الأخضر، نعلم أن قواعد اللعبة واضحة تسرى على الجميع، ولا بد من احترامها، وأن هناك حكماً يطبق هذه القواعد وسط تلاحم اللاعبين.

وفي يقين المتفرج أن قواعد اللعبة –على عكس القواعد في مجالاتٍ أخرى– لا يمكن تعديلها فجأة، لا من جانب الغالب، ولا من جانب المغلوب، ذلك لأنها تسمو على نزوات الفريقين، ورغباتهم. وتعلّمنا كرة القدم أن من هذا الاستقرار في قواعد اللعبة يتولد التناوب بين الغالب والمغلوب، ذلك لأن كرة القدم تجمع في هذا الخصوص بين الطابع الشكلي والطابع العامي. والقاعدة في الواقع أن كرة القدم في البرازيل –وفي سائر أنحاء العالم الثالث– أصبحت بمثابة بؤرة للأحاسيس والانفعالات.

وعلى أية حال فعن طريق كرة القدم استطاع البرازيليون أن يتمثلوا أخيراً برموز” الدولة – الأمة”، فلهم نشيد قومي، وعلم تقليدي، ومن خلال هذه الرياضة، التي يتحد فيها القلب الرأس، والقوة البدنية مع البراعة، نعم، من خلالها ومعها تحيا البرازيل كمجتمع وأمة في آنٍ واحد. نعم، إن التجربة الهائلة المثيرة التي تتبدى في فوز منتخب البرازيل بخمس كؤوس عالمية هي التي أكسبت الشعب البرازيل الثقة والكرم وروح الابتكار في أنفسهم.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin