الحلم والواقع في برامج المواهب العالمية

 

تستوقفني كثيرًا تلك البرامج التي ترعى المواهب، أتابع بدهشةٍ كبيرة وتشوّقٍ أكبر الموهبة التي سوف تُستدعى على المسرح، قبل أن أختار زر المشاهدة، ألمح أرقام المشاهدات “المليونية” والتي يكون عدّادها الرقمي في إطرادٍ حتى وإن كان موعد إطلاقها في منصة اليوتيوب لم يتجاوز اليوم الواحد.

تُغلّف العديد من القصص بكثيرٍ من العاطفة، فقبل أن يهّم المشترك في عرض موهبته تجد أن الحياة قد انهالت عليه فلم ترحمه، كأن طوق النجاة في حياته موهبته التي جعلته يقتات على “بواقي حياة” منتظرًا لحظةً عمريةً ومفصلية كالذهاب لمنصة أميريكان قوت تالنت American Got talent أو بريتش قوت تالنت British Got talent أو ذا فويس The voice أو حتى  عرب آيدول the Idol

غريبٌ أمر هذا العالم في تشبثّه بأنصاف الفرص بل وذراتها الصغيرة!

ولكي تمزج تلك القصص بكثيرٍ من الرحمة والتعاطف تُدمج الموسيقى، والصور والمقطوعات حتى تكون أنت والمشترك في جسدٍ واحدٍ وكأنكما من سيعرضان الموهبة أمام لجنة الحكم القاسية، وأمام الجمهور الذي سيقبل تصفيقًا أو سيرفضك أنت وموهبتك تهكمًا وتصفيرًا.

ولكن ما يثير الشفقة حقًا هو لجوء صغار السن لهذا العالم المشؤوم، يحكي قصته العاطفية والتي كانت مواقف عن (التنمّر، الاغتصاب، السرطان، أو انفصال أحد الوالدين)

يبدأ شعاع الشهرة يسلّط ضوءه عليه، تنبهر لجنة الحكم “بمحتوى القصة قبيل تقديم العرض والموهبة بالطبع”، يقوم أحد أعضاء اللجنة بضغط الزر الذهبي Golden buzzer يتقافز فرحًا ذلك الصغير، وتسقط من السماء الأوراق المذهبة، ويتوقف عدّاد الزمن ليتحرك في ومضاتٍ بسيطة ملتقطة الصرخات، يحتضنه المقدم وأسرته وكثير من الجمهور، تأسرك نظرة الانتصار تلك الممزوجة بدموع الفوز والفرح واللذة على مآسي الحياة، والتي لانت أخيرًا في ذلك المسرح الذي فتح بوابات الأمل من كل صوب.

يعلن مقدّم You will Go to the live show in Las Vegas أنه قد حازت له الأمجاد من أطرفها، وأصبح بعدما كان على بُعد خطوةٍ واحدة من بوابة الشهرة، بأنه في الشهرة نفسها وفي الضوء اللامع الساطع نفسه.

يقفز عداد الأرقام في اليوتيوب، وهكذا تكون أيضًا حساباته الشخصية في مواقع التواصل، تويتر، وإنستقرام وسناب شات.

ولكن ماذا بعد كل ذلك!

كثيرٌ منهم يذهب كغثاء السيل، يحتكره البرنامج بعقوده التي تستحوذ عليه بالكلية، وهكذا تفعل أيضًا سلاسل وضعتها الإعلانات مغلولةً إلى عنقه لتجعله هو وموهبته سلعةً بأيدي صنّاع من يدّعون أنهم “يرعون الموهبة”، ويعيش ذلك الغرّ الصغير في دوامة عدّاد الأرقام والمتابعات مع بعض المحذورات والخطوط الحمراء التي أوردتها قوانين العقود.

وتصبح حياته مُرةّ صعبة تخنقه فيها الجماهير فلا يهنأ له بال، وتصبح كل همسةٍ منه أو لمزة موضع سخرية وتندّر ذلك الجمهور الذي كان يهتف باسمه في يومٍ من الأيام.

نعم لقد كان هو وغيره أحرار في حياتهم البسيطة، وقصص معاناتهم تلك هي من صقلت مواهبهم وجعلتهم لا يشعرون بأنفسهم، بتلك الطاقة التي تحرك فيهم ما تتفتّق فيه موهبتهم ليغنّوا وينشدوا ويمارسوا ما أحبوا.

ولكن ماذا بعد كل ذلك؟ ماذا بعد أن شاهدها الناس  أعجبوا بها؟

كانت الجحيم بعينه، فلم يصبح الطفل نفس الطفل، ولا ذلك الكبير بالعمر كيفما كان.

صودرت طفولتهم وبراءتها في سنٍ صغيرة، وحينما يكونوا بلا مرشدٍ قد تأخذهم العزة بالإثم، ممارسين لمواقفٍ لا تصلح لمثل عمرهم كونهم ذوي مسؤوليةٍ أكبر وتأثيرٍ أكبر على من هم في مثل سنّهم من العمر، ليظهروا بعد ذلك في كثيرٍ من مواقف السوء والصراع التي تخلق جدلًا حول حقيقة ذلك “الموهوب” ومدى استحقاقه لهذا الاسم.

هي مثل حكايا اليانصيب التي يجني فيها الشخص مع لعبة الحظ الملايين بين ليلةٍ وضحاها، ولكن أين ذهبت!! وكيف صُرفت؟ لقد ذهبت أدراج الرياح، تمامًا كالموهبة تلك التي كانت طوق النجاة في يومٍ ما.

ومما يثير الحنق أيضًا، هو نحن العرب حينما ننهج نفس الشاكلة من البرامج، ولأننا لا نستطيع أن نُجاري من هم غيرنا، فإننا وبقمة السخف حتى في تقليدهم جهلاء وأغبياء وأنصاف أذكياء.

فلا المحتوى يجذب، ولا المسرح يجذب، ولا حتى تلك القصص التي تتعاطف معها تشدك لتتابع.

لا أقول بأن من ذهب هناك بشرنقةٍ مات بشرنقته، قليل نادر خرج كفراشةٍ عملاقة، ولعل قصة وحكاية “سوسان بولي” في بريتش قوت تالنت “British Got talent” أكبر مثال خرج كفراشةٍ عملاقة وبيعت أعمالها الموسيقية لاحقًا بعد البرنامج في أصقاع أوروبا وأمريكا.

ولكن الكثير اختفى ولم يبقَ لهم أثر غير مقاطع يوتيوب مرجعية تحكي عنهم في خمس أو ست دقائق من الوقت.

هل لا توجد أماكن لرعاية الموهبة؟ أو في إحكام قبضتها على تلك الموهبة؟ وربما في قبضةٍ أكثر إحكامًا “قتلها تمامًا”

ربما هذا المثال ينطبق أيضًا على من “اشتهروا” محليًا في وسائل التواصل “سناب شات” مثلًا، ظهر في البداية من خلال مقطعٍ عفوي، ضم معه آلالافًا من المتابعين، من ثم أصبح يتقصد أن يضحك أو يقلد أو يغني ما ليس له ميل في تقليدهم أو محبتهم رغمًا عنه، وطمعًا في إرضاء جمهوره الذي يتكاثر كلما أجاد في إحدى محاولاته التي يستجدي فيها إرضاء طيف جمهوره الجديد، حتى يصل لنقطةٍ فارغة ليذبل، وتذبل الموهبة معه أيضًا.

لذا كم هو عجيبٌ فعلًا أمر هذا العالم في تشبثّه بأنصاف الفرص بل وذراتها الصغيرة “طمعًا في الشهرة” بل والموت لأجلها.

 

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *