الذات واللاذات في حياة الإنسان 

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

إذا لاحظنا يومًا بعد يوم طفلاً في أول أدوار طفولته، فإننا نجد أنه ليس عاطلاً عن العمل بصورةٍ قاطعة، بل سيكون منشغلاً في ساعات يقظته في أعظم عملٍ شاقٍ قد يجابهه أي إنسان في العالم، وهو واجب التعلم، حتى لقد قيل إن الطفل يتعلم في الإثني عشر شهرًا الأولى من حياته أكثر مما يتعلمه في خلال كل السنوات التي يعيشها حتى السبعين من عمره.

ومن الثابت أنه يتعلم في السنة الأولى من حياته المعرفة الأساسية التي لا يستطيع بدونها أن يحيط علمًا بأي شيءٍ آخر.. إنه يتعلم الحقيقة الثنائية الأساسية، وهي وجود ذات ووجود “لا ذات” نعم، هذه هي بداية المعرفة البشرية والتي بدونها تكون كافة الأمور التي يتعلمها غير ذات فائدة، وبدونها أيضًا لا يمكن أن تكون ثمة أشياء نطلق عليها: الصناعة، أو اللغة، أو الأدب، أو الفن، أو العلم، أو المدنية، أو الدين.

إن الطفل يحيط علمًا بذلك في بداية أطوار حياته، كما أن الحركات السريعة لليدين والقدمين، ونظرات العين، وحركات قبضة اليد إلى جهات مختلفة، وبالتدريج معرفة القبض على الحلقة أو البرتقالة أو أي جسمٍ آخر، وتوجيهها إلى فمه لا تعد حركة لا فائدة فيها ولا جدوى منها، كما أنها ليست تمرينًا للساعد أو العضلة، وإنما هي دور شاق من التجارب العلمية التي تؤدي إلى الذروة الكبرى، وهي اكتشاف وإثبات وجود “الذات”، ووجود “اللاذات”.

إنني لا أقصد -طبعًا- أن أقول إن الطفل يخاطب نفسه قائلاً بوجود ذات وبوجود لا ذات، أو على الأقل يعرف أنه قد أحاط علمًا بأية معرفة. غير أن هناك قضية ثابتة، هي أنه يعرف، وأنه يقوم بعد ذلك بتأدية الحركات والأعمال بناءً على هذه المعرفة، وهذه المعرفة هي أنه يملك في نفسه بعض القوى والمشاعر التي يمكن أن يمارسها ويستعملها في الكرات، واللعب، والمقاعد، والموائد، مع الإخوان والأخوات.

ويعرف أيضًا إنه إذا أصابت ساقه خبطة، فإنه يحصل على اختبار لا يمكن لرجل المائدة أن تحصل عليه إذا أصيبت بضربة، ويعرف كذلك أنه يحصل على سرور إذا وضع الحليب في فمه، وأنه لا يحصل على السرور إذا وضع الحليب في وعاء أو على المائدة ولم يقدم له، ويعرف أنه يستطيع تحريك ذراعه في اللحظة التي يرغب فيها أن يقوم بذلك، ويعرف أن رغبته المجردة فقط لا يمكنها أن تحرك الكرسي. وعليه فإن التمييز بين ما هو ذات وبين ما هو لا ذات يعتبر أساسًا لتفكيره وسلوكه طوال أيام حياته.

وإذا تساءلنا: كيف يتوصّل الطفل للتمييز بين الذات واللاذات، فعلينا أن نعيد إلى أذهاننا قوة التسلط التي تظهر في سلوك الطفل الصغير. ألا ترى كيف يقاوم من يدفعه أو يجذبه، وكيف يدافع إذا أمسك به أحد؟ .. ويظهر بطرقٍ أكثر تعقيدًا أنه يملك إرادة من نفسه؟ وإنما يتوصل للتمييز بين نفسه وغيره بمقاومته الأشياء الخارجية والتغلب عليها.

وقد أطلق الفلاسفة وعلماء النفس على هذه الذات الموجودة في كل واحدٍ منا: النفس أو الأنا أو الإيجو EGO، وأطلقوا على كل شيء آخر يختص بالبشرية، والعالم، والسموات: ” اللاذات ” Non-ego، أو غير النفس أو اللا أنا.

وإذا نظرنا إلى “الذات” من الوجهة الظاهرية الإجمالية، رأينا أنها هي الفرد بأجمعه. أما من الوجهة الباطنية، فالذات هي ما يعرّف الشخص عن نفسه، وكيفية إدراكه وشعوره عن نفسه، وما يختطه ويرغب فيه لنفسه.

والذات بالنسبة لي تختلف عن الذات بالنسبة لك. والذات بالنسبة لك تختلف عن الذوات بالنسبة إلى الآخرين . أما اللاذات بالنسبة لي هو -بصورةٍ عامة- نفس اللاذات بالنسبة إلى الأناس الآخرين. ومن هنا يتضح أن كل واحد منا يعرف الذات أو النفس بصورةٍ أقرب من معرفته الخاصة باللاذات أو غير النفس، لأنه يعرف الذات بصورة مباشرة وبدون واسطة. أما اللاذات فيعرفها بطريقة الملاحظة والعقل.

إنني لا أستطيع أن أشك في أنني كائن أو موجود، ولكن يمكنني أن أشك في كون الشيء الذي أراه أو أسمعه قد لا يكون في الحقيقة وهماً أو خداعاً. وعليه لا يمكن لأحد أن يشك في اختباراته الشخصية. غير أن هناك نفر من الناس يعبرون عن شكهم في كون العالم الخارجي بكامله ليس حلماً من الأحلام.

وعندما يتقدم الطفل في العمر يتكون لديه إدراك بأن تقسيم الموجودات إلى “ذات” و “لا ذات” ليس كل ما في الأمر. فالشخص الذي يعتاد التفكير في كونه الذات يتوصل إلى إدراك التمييز الغامض العظيم، وهذا التمييز الثنائي ينطوي على عنصرين: أحدهما داخلي، والآخر خارجي. العنصر الخارجي واضح وضوحًاً بيّنًا، فهو عبارة عن هيكل يتركب من: رأس وجذع وذراعين وساقين، ويطلق عليه اسم عام هو: الجسم أو الجسد أو البدن، ويمكن أن يُرى وأن يُلمس. ويكمن في داخل هذه الذات الخارجية الظاهرة للعيان، ذات أو نفس داخلية لا يمكن أن تراها عين أو تقبض عليها يد.

والحركة إنما تختص بالذات الخارجية، وبواسطة الحركة يستطيع الفردأن يقوم بإنجاز أعمال عديدة. أما التفكير والشعور والإرادة فإنها تختص بالذات الداخلية. وأصغر حركة يقوم بها الجسم إنما هي منقادة إلى الدوافع غير المنظورة للذات الداخلية.

لقد واجه المفكّرون في أقطار وعصور شتى صعوبات جمّة في محاولتهم أن يثبتوا أن الذات الداخلية هذه لا يمكن تمييزها عن الذات الخارجية بقولهم: إن الذات الداخلية تتكون من عملية الدورة الدموية أو بنتيجة عمل الدماغ. ولكنهم عجزوا عن إقناع الناس بهذا القول باستثناء نفر قليل منهم. غير أن شعور الذين سمعوهم أو قرأوا ما كتبوه، جعلهم يستمرون على قولهم: “كلا، إن هذه الذات الداخلية ليست ذراعًا أو دماغًا أو عضوًا من الأعضاء، وبحثوا عن أسماء مختلفة لإطلاقها على هذه الذات فسموها: الفكر، والروح، والنفس. ولنسمها هنا: “الروح”.

إن الإنسان مركب من جسدٍ وروح. الشيء الخارجي والشيء الداخلي، المنظور وغير المنظور، العالم الموضوعي والعالم الذاتي. ومن المسائل المعقّدة والمحيّرة كيفية اتحاد الجسد والروح مع بعضها. ومن المسلم به أنهما متحدان اتحادًا وثيقًا كليًا. وهذا ما يقول به ابن كثير في تعريفه الجيد للروح: “الروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن”. أي أن النفس البشرية كما قلنا روح وبدن، والروح مادة الحياة.

فإذا غادرت البدن تحول إلى قطعة لحم بلا حراكٍ ولا إحساس. والفلسفة لم تتوصل بعد إلى معرفة الإجابة على هذا السؤال، وهو كيف أتحداه؟ لم يقدم لنا العلم جوابًا شافيًا أو بحثًا جادًا حول هذا الموضوع. كما أن الإنسان لم يتمكن حتى هذه الساعة من حل هذا اللغز. ويبدو أن العلم سيظل عاجزًا عن حله إلى الأبد.

أما التوضيح الذي قدّمه لنا العلم في هذا الصدد فهو كيف أن هذه الصلة وثيقة وعجيبة ودقيقة. ويمكننا أن نذكر في هذا الصدد أن كل رغبة، وكل فكرة، وكل شعور صادر من الذات الداخلية، إنما يتميز بتغير في المادة التي يتركب منها الدماغ، والمنظمة تنظيمًا عجيبًا.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778