خمس مجالات طوَّرتُ فيها شخصيتي

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

كلُّ مرحلةٍ عُمريَّة هي في الأساس نوع من الاستعداد للمرحلة التي تليها، والتَّحضيرُ الجيِّد فيها يفيد في حسن إدارة الفترات اللَّاحقة من أعمارنا؛ وفي بداياتنا الضَّعيفة الهشَّة يهيئِّ لنا الله العظيم الجليل كفايةً من الرِّزق والرِّعاية لا نحتاج معها للعمل والتفكير والهمّ؛ ولكن ما إنْ نحصل على إدراكنا ونصل إلى التّكليف المرتبط بأدوارنا في الحياة حتى يتحوَّل الأمر إلى تحدٍّ بالغٍ تتحدَّد معه تصنيفاتنا في الدُّنيا و مراتبُنا في الآخرة.

وقد انتميتُ في وجودي إلى أُسرةٍ رحيمةٍ و والدين بَرَّيْنِ ساقاني في عشرين سنةً وجدانيًا وشعوريًا وجسديًا وعقليًا وتربويًا ووظيفيًا إلى درجةٍ متميِّزةٍ من الحضور الاجتماعي والتحصيل الأكاديمي؛ مع ما منَّ الله به عليّ من أرزاق أجدها وفيرة وحظوظٍ أعتبرُها جليلة من النِّعم المرتبطة بنموِّ الإنسان؛ كالفهم الجيِّد والذَّكاء المُتَّقِد والهيئة المعافاة والتقويم الحسن والصورة الجميلة؛ فاكتملتُ عند العشرين شابَّةً متعلِّمة لائقةَ المظهر عزيزةَ الطلب.

ولمَّا كانت المرحلة التّالية تصفويَّةً لما يليها من الدَّهر، وتحضيريّة لقابلِ الأيَّام؛ فقد وجدتُ نفسي لاحقًا بعد بعض القرارات والكثير من التّجارب والعديد من الفتن؛ على صفةٍ لا تعجبني وفي درجةٍ لا أرضاها أنا الأبيَّةُ التَّوَّاقةُ للسَّبق والفوز؛ وفجأةً أصبحتُ أُمًّا ممتلئةَ القوام بملامح لا تشبه تلك الجميلة التِّي لطالما كنتُها؛ وربّةَ بيتٍ فظَّة لا تتقن مهارات التّواصل؛ ولم أعُد أملك اللُّغة والإشارات والحركات التي أسَرتِ الكثيرين في ما مضى؛ مع احتوائي على روحٍ بليدةٍ فقدت رقَّتها وتساميها وعفويّتها؛ فضلًا على قلَّةٍ في المهارات وانعدامٍ للإبداع؛ مع الإصرار على الاختزال في دورٍ وظيفيٍّ واحدٍ -زعمتُ- “الأمومة”.

لعلّ هذه الحالة الذَّاتية المُنتَكِسة نشأت عن عدّة عوامل تنبع من فلسفة “الرزق والحظ” اللذَّين لم أتعلّم في صِغري قيادة المسؤوليّات المرتبطة بهما؛ ممّا أدّى إلى تدهورهما وضياعهما من حياتي التّالية؛ وأيضًا وجود خلل برؤيتي الشَّخصية في ما يتعلَّق بمعرفةِ “ما أريد أن أكون” التي حصرتُها في “ما أرغب الحصول عليه”؛ ولو ركَّزتُ على “ما يجب أن أكون عليه” لكنت ربَّما حفِظتُ ما حصلت عليه حقًا؛ ولو أنّي أدركتُ أنَّ العمل -وإن كان أيضًا من الرِّزق- هو أهمُّ من الحظّ؛ ولجاهدتُ في تحسين نفسي بتحقيق تطوُّرٍ قابلٍ للقياس يضيف معنى حقيقيًا للحياة من خلال المهارات والقيمة؛ مع ما يقتضيه ذلك من مفردات: الدفع؛ والصراع؛ والتحدي؛ التي تجعل الأمر “ليس سهلًا”-أعلم- ولكنَّه بالتَّأكيد “ممكن”.

عند هذه المرحلة التِّي أدركتُ فيها مناطق ضعفي أخذتُ خطواتٍ جادة لأقوم بإصلاح حياتي و تقويمها؛ و قرَّرتُ مرَّةً أخرى أن أعود الى المصاف المتقدِّمة المرتبطة بالوقت الرَّاهن؛ فقمتُ بتصميم مخطَّط لتنمية ذاتي يتضمَّن تفصيلا للخطوات و اشتقاقًا للأهداف من أجل تقدير إمكانياتي و تحسين مهاراتي؛ من خلال السَّماح بإحداث التَّصحيحات الضَّرورية على طول الطريق لتحقيق النجاح؛ و كان خلاصة ذلك أن حصرتُ التَّركيز على المساحات التي ينبغي العمل عليها و هي:

أولًا: الجانب الروحي

بإدراك أنَّ البشر ليسو امتدادًا و تطوُّراً حيوانيًّا ؛و إنَّما نوعيَّاتٌ روحيةٌ فريدة أمكنني السَّيطرة على باقي جوانب حياتي و الإمساك بشعث ضعفي و الرَّفع من إخلادي إلى الأرض و السَّير على بصيرة و ضوء و طمأنينة لا يجدها إلَّا من يعلم أنَّ ربًّا مقدِّرًا للعوالم يمنع هذا الكون أن يقع عليّ؛ و أنَّ بإمكاني الإعتماد عليه عند انقطاع شسع نعلي فما دونه ؛و أنَّ رزقي لن يأخذه غيري؛ و إنَّما عليَّ العمل على هذا الجانب في كلِّ يومٍ لتطويره و تحسين الأداء فيه؛ وأنَّه لا يتمُّ لي الخشوع في الصَّلاة حتى أجاهد نفسي وأجلبها للحضور التَّام؛ وأنَّ الذِّكر لا يكون روضًا لقلبي حتى أدعمَه بالإخلاص واليقين؛ وأن لا أقبضَ يدي طالما هناك يدٌ تخلف عليّ؛ وكلُّ عملٍ ليس للَّه فيه نصيبٌ فلا خير فيه؛ ولذلك كانت هذه المساحة من شخصيَّتي قائدا ودليلًا وملهِمًا لباقي الجوانب التِّي خطَّطتُ للعمل عليها.

ثانيًا: الجانب الجسدي

ما شكَّلَه الله تعالى على أحسن وصف يتبدَّل بالعوامل المؤثِّرة من نوع المأكل والملبس وعناصر الكآبة والغضب وإحداثيَّات الوقت والجهد؛ فحريٌّ بمن أراد الحفاظ على تمام الخِلقة أن يديم اعتماد حميةٍ نظاميةٍ موافقةٍ لحالة جسده؛ لئلَّا يشكو لاحقًا نقصًا في الصِّحة أو في الثِّقة؛ وذلك من خلال التَّغذية الجيِّدة والنَّشاط المناسب والرَّاحة المجدِّدة للطَّاقة؛ ثمَّ العناية بالمظهر لتحقيق القبول عند النَّاس؛ فإن قلتَ: “عليهم أن لا يعاملوني وفق شكلي” فدعني أقول لك شيئًا: “حسنا ؛إنَّهم يفعلون”.

ومهما اختلف تعريف النَّاس للجمال فأنا أكتفي بوضعه في القالب الذِّي يرضيني بالكيْفية التي لا تجعلني تبعًا لمظهري بشكلٍ مهووس أو مفرط يُبقيني قلقةً طول اليوم؛ وإنَّما بتملُّك المهارات التِّي يمكن أن تصنع لي حكمًا لائقًا عند من يتعامل معي دائمًا أو يلقي عليَّ نظرةً أُولى.

ثالثًا: الجانب العاطفي

أن تكون شخصًا قويًّا عاطفيًّا هو أمرٌ يخدِمك جيِّدًا في المسارات الأخرى لتحسين شخصيَّتك؛ وحيث أنَّ تفاعلك العاطفيّ مع الأشياء ليس أمرًا يسهل تغييره فإنّ المقاومة التي تجعلك لا تسمح لعواطفك بقيادتك والسيطرة عليك تُعتبَر نجاحًا طيّبًا.

كان عليّ اعتماد مهارات السَّيطرة العاطفية في تسيير العلاقة مع زوجي بحكمةٍ ومسؤوليٍَّة؛ وإدارة الأساليب الصَّحيحة لتربيَّة أطفالي دون أن أختبر الضَّعف الجميل أمام براءتهم، واهتممت كثيرًا بنشر الحبّ الكافي في محيطي مع المقرَّبين المسيئين منهم والمحسنين؛ ووضع الحدود الزَّاجرة للنّفسيات الحامضة بما يضمن سلامتي العاطفية ومن أعول؛ ولكن ورغم الصعوبة تمكَّنتُ أخيرًا من تحييد عاطفتي الأنانيةَ الظَّالمةَ الجاحدة مع أصحاب الحقوق و ذوي الجميل.

رابعًا: المجال العقلي

يجب الحصول على المجموعة الكاملة من الغذاء الذهني لينموَ العقل؛ ذلك أنه لا يستطيع العيش طويلًا بحلوى تخدِّره وتلهيه (والتي كنت أتناولها لدماغي في مواقع التواصل والمسلسلات التافهة) ولا يمكنك أن تحصل على حافَّةٍ استثنائيَّةٍ من التَّقدُّم إلَّا عندما تطوِّر استعدادك لحل مسائل صعبةً قرَّر معظم النَّاس الإنهزام لها، هنا كان عليّ توسيع ذهني وتطوير مهارات التَّفكير لديّ من خلال تمارين العقل التِّي تتضمَّن أفكارًا دافعةً وعاداتٍ جيِّدة لدراسة الأمور؛ أين يتوجَّه بعض النَّاس إلى اقتحام فنون الشِّعر والأدب والتَّاريخ وتعلُّم اللُّغات ودراسة العلوم؛ وكل تلك المعتركات التِّي تبدو صعبةً.

غير أنِّي أدركتُ أنَّ الفرار منها سيُبقيني ضعيفةً ويتركني غير مستعِدة؛ لكنَّ اقتحامها جعلها تغدو أسهل مما ظننت؛ خصوصًا عندما ألزمتُ نفسي بتملُّكها مهارةً بعد مهارة؛ وحيث أنَّ العلم يُطلَب حتى القبر فقد توفَّرت لديَّ قدرة ٌكبيرةٌ على معرفة إدارة التَّفاعلات المرتبطة بوظيفتي الأساسية وتعلُّم مدارك إضافية من خلال تمرين العقل واسترخائه.

وبعد أن كان من الصّعب عليّ العثور على فردتي الجورب، أصبحتُ رائدةً في آليات ترتيب المنزل وتخزين الأغراض وتنظيم الأعمال وإدارة المهام وتصريف الموارد وتوفير الأوقات؛ مع أعمال إضافيَّة أخرى في التَّدوين وفنون التطّريز وقواعد الخياطة الراقية.

خامسًا: المجال الاجتماعي

ولمَّا كنت المرأة كائنًا دافئًا فطرها الله تعالى على نَزعٍ جامعٍ للسُّلالات؛ وخلقها بميولات اجتماعية عفوية؛ فإنَّ تطوير هذا الجانب حقٌّ واجبٌ لتحقيق النَّجاح المطلوب من خلال تملُّك القدرة على التَّواصل الفعَّال مع كلِّ أنواع النَّاس الضَّروريِّين والمُهمِّين وحتّى التَّافهين؛ وحيث وجب التَّمييز بين حالات التَّقدم ومناطق الإحجام، وقواعد الذَّوق وفنون الرَّد، وآداب المقامات ومهارات الإقناع؛ كان عليّ أن أُسيطر على بصر النَّاس وأُوجِّهَهُم كيف ينظرون إليّ.

فتوجَّهت إلى ترتيب الفئات الاجتماعية المحيطة في طبقاتها الأخلاقيَّة عندي، وأمسكتُ بقواعد التَّواصل حتَّى لا يساء فهمي ولا يمكن إزعاجي؛ وأصَّلْتُ عاداتٍ من السَّخاء والضِّيافة لتأليف قلوبٍ وإكرام أفئدة؛ بل وتعلمتُ لغاتٍ أخرى كي لا يقال :”لا تفهم”

وما زلتُ أدرك أنَّ هناك ضرورةً لفهم هذه الجوانب من شخصيَّتي من أجل تطويرها واختبار قوَّتها الفعَّالة لتحقيق النَّجاح في حياتي.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin