قصة مقبرة الخواجات التي تضم قتلى الغزو البرتغالي على مكة 

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

لطالما اعتقدت و منذ الصغر [أن الأمة التي لا تعرف تاريخها تكون عاجزة عن فهم واقعها ، و بالتالي فلن تستطيع صناعة مستقبلها بالشكل الذي تطمح إليه] .

في عام ١٤٩٢ ميلادي سقط الحكم الإسلامي للأندلس بشكل نهائي ، على أيدي نصارى أوربا ، لتنتهي بذلك دولة الإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا و البرتغال اليوم) . و قبل ذلك بمدة ليست بالبعيدة ، تحديداً في عام ١٤٥٣ ميلادي استطاع السلطان العثماني محمد الفاتح السيطرة على أعظم مدينة في تاريخ النصارى في الشرق ، إنها مدينة القسطنطينية (إسطنبول) التي كانت بمثابة روما الشرق ، خصوصاً لدى الكنسيين و رجال الدين المسيحي في ذلك الوقت.

و قد أدى حدوث هذين الحدثين العظيمين إلى إثارة النزعة المتوحشة لدى الصليبيين في أوربا . فأما العامل الأول (سقوط الأندلس) فقد كان بمثابة الدفعة المعنوية القوية ، و الشعور بالثقة المفرطة و الانتصار الجامح. أما العامل الثاني (فتح القسطنطينية) فقد كان بمثابة جرس إنذار لأوربا ،بوجود قوة إسلامية مُهدِدة لهم قادمة هذه المرة من أرض الأناضول.

و سط هذه المشاعر الأوربية المتناقضة بين الشعور بالقوة و التلذذ بقهر المسلمين و إبادتهم في أرض الأندلس ، و بين الخوف من القادم الجديد (الدولة العثمانية ) ، وسط هذا الجو المشحون بالنشوة و الخوف أعلن بابا الفاتيكان (نيقولا)رغبته الجامحة في القضاء على الإسلام و إنهاك قوته و تدمير مقدساته في مكة و المدينة.

و بعد مدة من موت البابا توافق رأيه مع هوى ملك البرتغال و جيشة الذي أصبح أسطوله البحري يمثل قوة ضاربة بعد استيلائه على الأسطول الإسلامي غرب الأندلس و استفادته من خبرات و خرائط الملاحة و البحَّارة المسلمين ليتمكن من الوصول إلى طريق الرجاء الصالح و السيطرة على تجارة الهند و بقية الشرق في الأسواق الأوربية.

كل هذه العوامل من القوة العسكرية و الاقتصادية جعلت ملك البرتغال و حكومته و بعد تشجيع الكنيسة و دعمها المعنوي للجنود بتوزيع صكوك الغفران عليهم يبدؤون فعلياً في محاولاتهم المشؤومة لتدمير مكة ، و نبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم للقضاء على الإسلام في عقر داره حتى لا تقوم له قائمة بعد ذلك.

أما الظرف الإقليمي المحيط بالديار المقدسة آنذاك فكانت الأراضي المقدسة تابعة للماليك في مصر مع سلطة محلية شبه مستقلة.

و كانت تحيط بالبلاد العربية و قتها قوتان صاعدتان العثمانيون في الشمال والصفويون في الشرق، و سط تواجد قوي للأسطول البرتغالي الصليبي في مياه المحيط الهندي و الخليج العربي على وجه الخصوص. و قد دارت عدد من المعارك بين هذه القوى آذنت في النهاية بانقضاء الحكم المملوكي على يد العثمانيين و خروج للصفويين من العراق بعد هزيمة العثمانيين لهم.

الغزاة في مقبرة الخواجات

و قد أدى هذا التفوق العثماني بشكل خاص إلى توجه الصفويين إلى التخالف مع البرتغاليين و بث الحماس فيهم للعودة مجدداً لغزو بلاد الحرمين من خلال بوابتها البحرية مدينة جدة (و قد كان ذلك بعد أربع محاولات فاشلة لم ترقى لمرحلة الخطر ، حيث لم تصل منها إلى حدود جده عدا حملة واحدة هي الحملة الثالثة التي كانت في عدد قليل من السفن ، و قد استطاعت حامية جدة ردها و قتل عدد من جنودها ، ليدفن بعضهم في بر جدة في المقبرة المعروفة اليوم بمقبرة الخواجات).

لكن المحاولة الأخطر و الأكثر تصميماً من البرتغاليين للقضاء على الإسلام و تدمير بيت الله الحرام و نبش القبر النبوي كانت المحاولة الخامسة التي كانت بدعم و تشجيع كبيرين من شاه الصفويين آنذاك، و في أواخر عام ٩٨٤ للهجرة جهز البرتغاليون ما يزيد عن الثمانين سفينة و استطاعوا المرور بها من جنوب البحر الأحمر ليصلوا إلى مرسى أبو الدوائر ، الواقع جنوب جده فدمروه و فر العاملون فيه لينقلوا خبر قدوم البرتغاليين لأهالي جدة.

فلما وصل الخبر إلى الوالي اتجه ناحية مكة لإخبار شريفها (محمد أبو نمي الثاني) الذي نادى بالجهاد في مكة كأول مرة في التاريخ ينادى بالجهاد في مكة لقتال عدو كافر ، لتجتمع حوله القبائل التي لم تجتمع منذ زمن ، وسار بهم إلى جدة و أعلن في الجميع قبل ذلك (من صحبنا فله أجر الجهاد و علينا السلاح و النفقة).

و دارت معركة عظيمة دافع فيها العرب دفاعاً مستميتاً حتى تعجب رجال الحامية التركية من بسالتهم، و كان قائد الجيوش شريف مكة أبو نمي أجرأ القوم على القتال و بذل النفس و المال، إذ أرسل عماله إلى أطراف البلاد لإحضار الطعام بأغلى ثمن، حتى فرغت الحبوب و كادت تعدم، فادخروها للخيل وأقبلوا على نحر الإبل و استمر ذلك مدة ، فقال بعض الناس لأبي نمي : إن هذا الفعل يستأصل ما عندك من الإبل ! فأجابهم (إني نويت أن أنحر ما أملكه و يملكه أولادي و أحفادي).

و دخل موسم الحج و التقى الحُجاج بجيش الإسلام المدافع عن مقدساته فضربت المدافع و كان منظراً مهيباً شد على قلوب المسلمين و أرعب الصليبين و علموا ألا طاقة لهم بهذا فرجعوا مهزومين بعد أن قُتِل عدد منهم و دفنوا في مقبرة الخواجات السابق ذكرها الواقعة بجدة إلى اليوم كدليل على أن الله متكفل بنصرة بيته ،و أن يد الله مع الجماعة


للاستزادة راجع 

(١) منائح الكرم للسنجاري

(٢)خلاصة الكلام  لزيني دحلان 

(٣)العرب و البرتغال في التاريخ لفالح حنظل

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *