لماذا يتوجب عليك أن تكون لطيفًا مع الأشخاص الذين تكرههم؟! [عن رواية الطريق]

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

تخيل عالمًا يخلو من الأمل، عالم ذو غاية، لكنها ليست تلك التي نحلم بها، بل أخرى موحشة ومدمرة وتعتصر القلب.

هذا هو العالم الذي رسمه الروائي الأمريكي (كورماك مكارثي Cormac McCarthy) في روايته الطريق – The Road (نسخة مُترجمة من الرواية)

تحكي الرواية قصة رجلٍ وابنه -لم يُذكر اسمهما- يعيشان في (عالم ما بعد الكارثة) حيث لم يتبقَ سوى بضعة تجمعات لبشر، ومعظمهم مستعد لفعل أي شيء في سبيل البقاء على قيد الحياة. أهلًا بك في العالم الجديد الذي تحكمه الفوضى وأكل لحوم البشر!

الشيء الوحيد الذي يعرفه صديقانا هو أنهما يتجهان جنوبًا نحو البحر هربًا من الشتاء القاسي. وهما لا يضعان خططًا طويلة الأجل، ولا يتحدثان عن القدر، كل ما لديهما: قواعد صارمة تُحدد ما يجب فعله في حالة القبض على أي منهما من قِبل الآخرين.

أثناء سيرهما، يصادفان عجوزًا (ترتسم ملامح السخرية على محيّاه) وهو على وشك الموت. يتخذ الناجيان مواقف متضادة: ففي حين يريد الابن مساعدة الرجل، يرفض والده ذلك، لكن بعد جدال بسيط، ينزل الأخير عند رغبة ابنه، فيدعو العجوز لقضاء الليل معهم، ويقاسمه ما لديهما من طعام.

ثم يحين موعد الفراق، ليتبادل الثلاثة أطراف حديث يعكس جوانب شخصية كل منهم.

في الصباح، وقفوا جميعًا على مفترقٍ للطرق، وجادل الصبي والده حول ما يجب منحه للرجل العجوز. في النهاية لم يحصل الأخير على الكثير: بعض الخضروات والفواكه المعلبة. وأخيرًا توجه الصبي إلى حافة الطريق وجلس على جذع شجرة. وبينما انهمك الرجل العجوز في ترتيب المعلبات في حقيبته. اقترب منه الأب قائلًا: كما تعلم، يجب أن تشكره، فلم أكن لأعطيك أي شيء.
[الرجل العجوز]: ربما يجبّ عليّ وربما لا.
[الرجل]: ولمَ لا؟
[الرجل العجوز]: لأنني لم أكن -بدوري- لأمنحه أي شيء.
[الرجل]: إذن، فأنت لا تهتم لمشاعره؟
[الرجل العجوز]: وهل عدم شكري له سيجرح مشاعره؟
[الرجل]: لا. هو لا ينتظر تقديرك لما فعله.
[الرجل العجوز]: إذن، لما فعل ذلك؟
[نظر الأب إلى ابنه ثم إلى الرجل العجوز]: لم تكن لتفهم السبب ولا أظنني أفهمه أنا أيضًا.

قال الفيلسوف العظيم إيمانويل كانط “Immanuel Kant” ذات مرة: (عش حياتك كما لو أن كل تصرف يصدر عنك سيصبح قانونًا عالميًا). وفقًا لهذا، تتحدد صوابية فعلك بمقدار قبولك لأن تُعامل بمثله.

لم يكن هناك (منطقة رمادية) في نظرة كانط الأخلاقية للعالم، فإذا لم تُرد أن يكذب الآخرون، فينبغي عليك ألّا تكذب بغض النظر عن الظروف. وإن كنت تعتبر (الكسل) صفةً غير مرغوب بها، فتأكد بأنك بعيدٌ عن الكسل بُعد المشرق عن المغرب.

لكن في الواقع، الأمر ليس بهذه البساطة، فالبشر كائنات معقدة، وغالبًا ما تُلقي الحياة بظلالها الرمادية على أفعالنا. إنما، أساس فلسفة كانط هو ما يهمّ، فعن طريقه يمكننا أن نميّز بين ما نقوم به بدافع الرغبة، وما نفعله من باب الواجب.

يمكن القول أن الرغبة تتوائم مع الغريزة: حيث نتّبع ما يصبّ في مصلحتنا، وما هو سهل، وينحصر تفكيرنا في المنفعة الآنية.

هذه الفجوة بين الرغبة والواجب -حرية اختيار القيام بالتصرف الصعب لكن الصحيح- هي التي تمنحنا صفة (إنسان). من خلال تقييم شيءٍ ما على ما هو عليه والتصرّف عكس رغبتنا، سنضحي قادرين على تسليط الضوء على الجانب الأخلاقي في هذا العالم، الضوء الذي سيشعّ في قلوب الآخرين ليتمكنوا هم أيضًا من فعل الشيء الصحيح.

واحدة من نقاط القوة في فلسفة كانط آنفة الذكر هي تفسيرها لحقيقة أن البشر  يقلد بعضهم دوافع الآخرين، كما أن الكثير من سلوكياتنا تتأثر بالبيئة المحيطة، باختصار: إذا رأينا أشخاصًا آخرين يقومون بعملٍ جيد، فالأرجح أن نقوم بالمثل.

 هل القصص التي كنت ترويها ليّ حقيقية؟

بالعودة إلى الرواية المذكورة، وتحديدًا قرب نهايتها، يرغب الابن -مجددًا- بمد يدِّ المساعدة، لكن هذه المرة للشخص الذي أساء له ولوالده، الذي يرفض (وهو تصرّفٌ طبيعي). لكن الصبي يُصرّ على موقفه، بحجة أن ذلك الشخص خائف ويائس (مثلهما). في النهاية، يتخلى الصبي عن الرجل غاضبًا.

مع مرور الوقت، يحاول الأب أن يناقش ابنه في القرار، وحينها يسأل الأخير والده: هل القصص التي كنت ترويها ليّ حقيقية؟ ويقصد قصص انتصار الخير في النهاية، وانتشار الأمل في العالم. وحين يهزّ والده رأسه بالإيجاب، يعود الصبي ليسأل: لماذا لا يبدو إذن أننا نساعد أي شخص يحتاج المساعدة في الحياة الحقيقية؟

عندما قرأت ذلك الجزء لأول مرة، شعرت بمشاعر غريبة، كما لو كانت الفكرة قد أضاءت شيئًا في عقلي: هل كان مكارثي يحاول أن يُعطينا درسًا في الأخلاق؟ لم أكن متأكدًا. لكن جزءًا مني يقول: نعم!

كل واحدٍ منا هو بطل قصته

وحياتك عبارة عن رواية، تهتم بنفسك، وتركز حولها، وهناك شخصيات داعمة من حولك، جيدة أو سيئة، تتخذ جانب الخير أو الشر .. غير مهم.  نحن جميعًا -بالطبع- على دراية بهذا التمركز الذاتي، لكننا لا نتحدث عنه بصراحة. فهو غير لائق.. بل غير مريح حتى.

مجرد حقيقة أننا لا نتحدث عن ذلك، يعني أننا ندعه يخدعنا. نحن نقنع أنفسنا بأننا دائمًا أشخاص طيبين وأن أي شخص يقف في طريقنا أو يختلف معنا أو يظلمنا بطريقةٍ كبيرة أو صغيرة هو (الشخص السيئ)ـ، وهو لا يستحق نفس التعاطف أو اللطف أو الفهم الذي نتوقعه لو كنا في موقفهم.

كثيرًا ما ننسى أن الحالة البشرية متنوعة، وأن للأشخاص من حولنا معتقدات مختلفة تقولبهم، وأن معظم الأشرار لا يفكرون في أنفسهم كأشرار؛ معظمهم، أيضًا، يعتقد أنه يفعل الشيء الصحيح، الشيء النبيل. حتى عندما لا يكونون كذلك، لكنهم -مثلك- بشر ناقصون، تشكّلهم مليارات المتغيرات، وكثيرًا ما لا يمتلكون سيطرة تذكر على تلك المتغيرات، مما يحرمهك فرصة القيام بالأمر الصحيح في كل لحظة في حياتهم.

ليس عليك أن تنظر إلى أبعد من المناخ السياسي الحالي في العالم لرؤية مثال للمشكلة التي أتحدث عنها. لقد أصبحنا مرتاحين للغاية لنكره بعضنا بعضًا لدرجة أننا ننسى تمامًا حقيقة أن الهدف من إجراء تلك المحادثات “الدبلوماسية” هو فهم بعضنا البعض بشكل أفضل. لقد تحولنا لنوع الأشخاص الذين يفعلون ويقولون الأشياء التي تستحق بالفعل تسمية الشخص السيئ.

الحل؟

ليس لدي حل مثالي، وأنا لست هنا لأنادي بالمثاليات. ما أعتقده هو أنه ربما -أقول ربما- يمكننا جميعًا أن نأخذ أداة من مجموعة أدوات الصبي “القصص”، فربما –ومجددًا أقول ربما- إذا عشنا نحن أنفسنا وفقًا للقصص التي نرويها لأطفالنا، فقد نعيش حياة أكثر صدقًا.

تحديث: اكتشفت أن هناك فيلمًا مقتبسًا عن الرواية (The Road – 2009)

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *