ماذا لو كان راتبك بلا عمل؟ العالم الوظيفي بمنظور جديد كليا

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

السؤال الذي يتبادر نحونا  نحن الذين نرعى مؤسساتنا ونقودها يومًا بعد الآخر .. هل نحن ممن يطلقون عليهم مصطلح “عبيد” ؟ ذلك اللفظ الذي تم تسويته بالتراب يفرض نفسه دومًا في شكل أعاده على هيأته هذه عهد “الثورة الصناعية”.

هل سنبقى ننتظر آخر الشهر بفارغ الصبر كي نقتات على معاشنا الذي من حسن الحظ أنه يكيفينا كأفراد، فيما بال أولئك الذين لديهم أفواه مفتوحة، وبطون لا تشبع!

السؤال الأكثر أهميةً من ذلك، بما أن الجميع يحلم بذلك الشيء بعيد المنال، هل تريد أن تكون من زمرة الأغنياء؟ الذين يشكلّون ما تعداده في الغالب ٥٪؜ من عدد السكان في حلمٍ بعيد المنال نسبيًا؟ الكل سيبادرك الإجابة بقول نعم على أغلب الظن دون الخوض الكثير في أعقاب الفلسفة المالية و أثرها السيئ بمآلاتها على الأفراد إن زادت عن حاجة الشخص.

ولكن .. هل سنبقى كذلك؟ نركض مثل الهامستر دون أن نتوقف لنلتفت نحو سنيننا التي مضت هباء، دون أن نصنع لأنفسنا شيئًا سوى أن نتحرى أيام الشهر على صيغتيه الميلادية و الهجرية مراقبين لعقارب الساعة منتظرين لرسالة إيداع الراتب التي ترحب بها صرافتنا على هيأة “نغمة” وهي التي بذلك ازدادت رقمًا يضاف لأرقامنا الفائتة هباء في شهور قد مضت.

تطور مفهوم العمل خلال العصور البشرية

في استعراض سريع للتاريخ فإن البشرية مرّت بما هو آت:

١- عصر التاريخ الحجري

المتمثل في الإنسان الذي يكون أقصى همه الصيد و السعي خلفه أميالًا عدة، من ثم الخلود إلى النوم بعد أن يمتلئ بطنه وهكذا حتى يقضي نحبه هو ومن معه على هذه الوتيرة المتعاقبة.

٢- العصور الوسطى

وفيه كانت الحروب الضروس وحب التوسع السمة البارزة بين الجميع فقد كانت هي الشغل الشاغل فمن يبسط يده على مساحة شاسعة تكون له خيرات الأرض ورجالها بعد أن يستولي عليها.

٣- عصور النهضة

ذلك الذي يملك فيه كل شخص موهبته التي يطوعها ويسخرها لخدمة نفسه أولًا ومن ثم خدمة البشرية، وقد كان لكثير من تلك الحقبة الزمنية من الأسماء نصيبها، آينشتاين، نيوتن، فان كوخ، شكسبير، بيتهوفن وقائمة تطول بكثير من الأعلام التي خلدها التاريخ حتى يومنا هذا ممن رعتهم موهبتهم وجعلتهم على رؤوس الأشهاد.

٤- عصر الثورة الصناعية

هذا العصر الذي لا نزال نعيش في ظلاله، والتي كانت فيه الطبقة الأروستقراطية تريد أن تستأثر بالثروات فقامت ببناء تلك المصانع العملاقة، وقد طوعت البشر البسيطين بالإقناع في تلقي مبالغ زهيدة تكفيهم عيشهم “حتى يوم استحقاق الراتب” فهكذا كان وهكذا أصبحنا.

٥- عصر التقنية

ذلك المتمثل في شخصية ستيف جوبز مثلًا، أو مارك زيكربيرج المالك المؤسس لمجموعة فيس بوك في العهد الجديد الذي ما يزال يتفجر يوما بعد يوم بالكثير من الأنظمة والتطبيقات في سباق زمني عظيم مع الزمن، وهو ما قد قطعت فيه دول كثيرة شوطا كبيرًا والبقية من خلفها.

لا يمكن أن ننسى ما قامت عليه المدارس وما تقوم به حتى الآن في تطويع العقول ذات النمط الواحد والذي يهدف في نهاية المطاف نحو ملأ هذه المصانع المشيدة باليد العاملة كي تبقى على ما هي عليه، وقد ذللت لذلك طرقًا كثيرة أذكر منها اختبارات الـ SAT والتي ظهرت في عهد قديم ومفهومها في تسهيل طرق الامتحان في شكل “خيارات متعددة” وبهذا يضمن عدم تعثر عدد كبير من الدفعات، وتسهيل عملية تعبئة هذه المصانع أو المؤسسات باليد العاملة سنينا لا تنقطع.

في بودكاست صوتي لأحد منتجات “ثمانية” تم التطرق لفكرةٍ رائعة تسمى بالدخل الأساسي العالمي، universal basic income وهو الملجأ الذي لا محالة منه، كون عصر التقنية وصل لمراحل متقدمة جدا وبدأت الآلة تزاحم الإنسان وتأخذ مكانه في تلك المؤسسات العتيقة، وهو ما صرح بها عدد من المسؤولين في العالم، تقوم الفكرة التي تم البدء بتطبيقها في فنلندا على نحو ٢٠٠٠ شخص ما بين العامين ٢٠١٨-٢٠١٩ على قيام الدولة بتوفير مبلغ ثابت شهري يكفي للعيش بالمأكل و المشرب، وإيقاظًا جديدًا لعصر النهضة حيث يقوم كل شخص في هذه التجربة بخوض طريقه الخاص الذي يحبه والذي أصبح مفتونًا فيه كون مواهب هؤلاء الأفراد أمر غير مشروط للدخل الأساسي العالمي فهو لا يشبه “الضمان الاجتماعي” لدينا أو برنامج “حافز” الذي يشترط عمرا وحالة معيشية معينة يتم فيها صرف مبلغ شهري زهيد لا يرقى بأن يكفي مأكلًا ومشربًا سواء بسواء.

حصل تفاعل كبير من الأفراد المشاركين بتجربة “الدخل الاساسي العالمي” وممن يؤيدوا الفكرة في العالم أجمع، مما يعود بالنفع على البشرية وولادة الكثير من المواهب المدفونة و النظريات الجديدة التي يتنبأ ببزوغها من جديد، في هدف يسمو بالرقي البشري في جوانبه الفنية والإنسانية كونها قرينة الحضارة و تقدمها المتسارع.

بهذا يكون الأمل في دولة فنلندا بأن تكون الحجر الأساس التي تنتشر فيها فكرة الدخل الأساسي لتغزو السويد والنرويج بعدئذ نحو العالم أجمع.

ولكن السؤال الحقيقي بعد انقضاء هذه التجربة، هل الدول الرأسمالية المتمثلة بأمريكا مثلا سترضى بمثل ذلك الشيء وهي التي تقوم على الاستهلاك الشخصي لدى مواطنيها بالضرائب و على العالم بسلب مواردها عنوة منها وإصرار أو بإبرام الاتفاقات التي تذهب في مصلحة بقائها أو بقاء حلفائها الإستراتيجيين؟

لا أدعوك لأن تتنتظر بلهفة نتائج هذه التجربة، ولا أريدك أن تتخيل تطبيقها على نحوٍ مبكرٍ لدينا، ولكن ما أدعوك إليه برجاء، ألا تجعل من مصدر دخلك الوحيد راتبك فقط، حتى و إن أخفقت في تجارتك الخاصة لا بأس بالمحاولة، الفرصة لا زالت سانحة لك كي تنجح، والبيئة لا زالت مفتوحة لرواد الاعمال ، فأنت ستنعش نفسك أولًا وبلدك ثانيًا، لا تنتظر رسالة آخر الشهر الصادرة بإيداع “معاشك”، هذا ما أرجوه منك.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin