نشأة فن الخط العربي 

 

إن الخط العربي يعتبر من أكثر الخطوط انتشارًا وأهميةً على سطح الكرة الأرضية، إذ أنه لا يخدم الكتابة العربية فقط، بل اللغات الإسلامية الأخرى، كالفارسية والأوردو واللغة البربرية. وقبل أن يستخدم الخط اللاتيني في كتابة اللغة التركية، كان الخط العربي يستخدم في هذه اللغة أيضًا. هذا إضافة إلى أن الخط العربي يستخدم أيضًا في كتابة اللغات القوقازية والماليزية والصومالية والهاوسا واللغة الكيسواحيلية، بحيث اتسعت المناطق التي يستخدم الخط العربي فيها بشكلٍ كبير يمتد ما بين أواسط آسيا حتى أواسط إفريقيا، ومن أقصى الشرق إلى المحيط الأطلسي. ويعود السبب في انتشار الخط العربي إلى أنه انطلق من خط كُتب به القرآن الكريم كي يصبح خط الإسلام والثقافة الإسلامية.

الخط العربي في الإسلام:

وفي العالم الإسلامي يعتبر الخط العربي، بصرف النظر عن اللغة التي كتبت به، أقرب الفنون إلى قلوب الناس وأكثرها انتشارًا وتقديرًا واحترامًا. ويعود الفضل في المكانة الكبيرة التي يحتلها استخدام الحرف العربي وأشكاله وفروعه الأخرى في إطار الثقافة الإسلامية إلى القرآن وإيمان المسلمين به، وبأنه أوحى إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم باللغة العربية خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 610 و632 ميلادية، وقد أكّد القرآن الكريم أهمية القراءة والكتابة في الآيات التي أنزلت فيه كأول سورة العلق وسورة القلم. هذا إضافةً إلى تأكيد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وإصراره على تدوين القرآن الكريم، مما شجّع كثيرًا من الصحابة على تعلم القراءة والكتابة.والواقع أن الخط العربي لم يأخذ طابعه الفنّي المميز إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ورغبة الناس في إبراز كلام الله وتعظيمه وتقديمه بأفضل صورةٍ ووجه. وقد ساهم تحريم التصوير باعتباره صورة من صور حضارة المشركين، في تحقيق خطوة هامة تتعلق بتطوير الخط كنوع من أنواع الفنون الرفيعة. وحظي فن الخط العربي باهتمام الحكام والأمراء وتكريمهم واتسعت صوره بشكلٍ كبير.وقد أشار المؤرخ الإسلامي ابن النديم (عام 665م) إلى وجود 24 شكلاً من أشكال الخط العربي طُوّرت خلال القرنين التاسع والعاشر، كما أوضح عالم قواعد اللغة “ابن دوروستاويه” (871-956م) أنواع الخط ومقدرة التكيف التي يتمتع بها الخط العربي والقواعد الأساسية لاستخدامه بأشكالٍ متعددة، منطلقًا في ذلك من أن جميع أشكال الكتابة قد تطورت من مصدرٍ أساسي وشكلٍ واحد، وأن الفروق تقوم فقط على المقدرة الفنية في تشكيل الخط العربي، ففي الفراغات الموجودة بين الحروف والكلمات والسطور يمكن تحديد ما إذا كانت كتابة الحروف فيها تتم بصورةٍ ثقيلة أو خفيفة، مستديرة أو ذات زوايا، واضحة أو متحجبة، محددة أو مختصرة، خشنة أو ناعمة، وعما إذا كانت كتابة الحروف والكلمات والسطور تتم بصورة متباعدة أو متقاربة بين بعضها بعضًا.ومن بين أسلوبي الخط العربي اللذين كانا سائدين في فترة بزوغ الإسلام، برز بشكلٍ خاص ذلك الخط الأنيق المناسب لكتابة القرآن، بأسلوبه الجميل وزواياه الواضحة وشكله التزييني وصورته الرائعة، أي الخط الكوفي، الذي يحمل اسم مدينة الكوفة العربية التي أنشئت حديثًا في فجر الإسلام في منطقة ما بين النهرين (عام 638م).وإلى جانب الخط الكوفي استخدم، في الفترة الأولى من الإسلام، الخط النسخي القديم ذو الإمكانيات الفنية الواسعة. وبعد القرن العاشر تحوّل الخط العربي إلى طريقٍ آخر. فمنذ ذلك الحين لم تعد نسخ القرآن تكتب إلا بالخط النسخي تقريبًا، على العكس من الخط الكوفي الذي تحول بأشكاله المتعددة إلى خطٍ يُستخدم للزينة والزخرفة في المراكز الثقافية والأبنية، وفي إطار الهندسة المعمارية والنقش على القماش وأعمال الحفر على الخشب والحلي المعدنية وأغلفة الكتب والمجلدات.وقد تابع الخط العربي تطوره في إطار الخط النسخي المستدير الليّن، وخاصةً في عهد محمد بن علي ابن مقلة، من بلاد فارس (عام 940م) كما طوّر تلميذه ابن البواب (ت 1022م) الطرق التي وضعها ابن مقلة واضعًا استعمالات جديدة لهذا النوع من الخط العربي، وذلك قبل أن يعمد ياقوت مستعصمي (ت 1298م) إلى وضع اللمسات الأخيرة في ميدان هذا التطور، وكان الكاتب الذي عوض سن نبات القصب المستقيم الذي كان مستخدمًا حتى ذلك الحين بالسن المنحرف الذي يستخدم اليوم.وفي إطار الحكم على إنجازات الخط العربي في الحرف المستدير، فإن ذلك يتعلق بطول الخطوط المستقيمة وعرض الخطوط المائلة والمنحرفة والنسب الموجودة بين السطور، ومدى تطابقها مع القاعدة المحددة التي تحولت تدريجيًا إلى شكلٍ من أشكال القانون المحدد في هذا المضمار. في الوقت نفسه الذي اعتبرت فيه النقطة المربعة الأضلاع التي برزت بعد استخدام سن القصب المائل معيارًا يشير إلى احتواء هذه الخطوط لهذه النقاط.وعندما يكون الخط خاليًا من الأخطاء، فإنه بالإمكان عندئذٍ تقويم الأسلوب الجمالي به، وبالتالي أسلوب الخط الشخصي، لا سيما في تعرّجات الخطوط وسيرها وامتداد النص وطوله بحيث يعبر هذا الأسلوب عن نفسه.وكرد فعل على إبراز شكل الخط النسخي، ارتفعت الأصوات التي تدعو إلى تحرير هذا الخط من الروتين البارز فيه، فكانت نتيجة ذلك ظهور خطوط أخرى تتميز بالليونة والانسياب والحرية والانطلاق، إلى جانب تميزها بالتناسق والتوازن والتحول، كالخط الريحاني والرقعة والثلث. وكان من أهم الخطوط العربية وأكثرها انتشارًا، الخط الثلث الذي طوّره ابن مقلة، وقد أطلق عليه هذا الاسم لأن ارتفاع الحرف فيه يشكّل ثلث ارتفاع الخط المسموح به الذي كانت تُكتب فيه الدواوين. وقد انتشر الخط الثلث في كل مجالٍ يهدف إلى الوصول إلى صورةٍ من صور الكتابة التي تمتاز بالحركة والزينة والزخرفة.وفي أواخر القرن الثاني عشر، برز في بلاد فارس، وخاصةً بإشراف تلاميذ ياقوت مستعصمي، أسلوب جديد للخط العربي، عندما تمت تجربة استخدام السن المائل لقلم القصب من الأعلى إلى الأسفل، والعمل على تمديد نهايات الحروف وإبراز التعرجات فيه، إلى جانب تسهيل رسم بعض الحروف والأشكال، وفتح طريق جديد للخط العري يميل إلى تعليق الحروف بعضها فوق بعض، وهو الأسلوب الذي عرف باسم ” تعليق”.وفي نهاية القرن الرابع عشر وجد الخط العربي لدى مير علي التبريزي (توفي عام 1446م) معيارًا واضحًا يقوم على توفير الإمكانيات الجمالية للخط فقط عن طريق التلاؤم مع أسلوب الخط النسخي المستمد من شكل الخط الذي عرف باسم ”نستعليق” حيث لم يعد الاهتمام يتركز فيه على إبراز التضخيم والتقليص فقط، بل على إبراز الخطوط الأ ساسية الموجودة فيه والتصرف بالخطوط المائلة والممدودة بأسلوبٍ جديد تمامًا، وذلك بهدف تسهيل كتابة بعض الحروف.وفي الصفحات المكتوبة بهذا النوع من أنواع الخط العربي، تبدو الأشعار مكتوبة في إطار مصوّر رائع من فن الأرابسك وصور الزهور والنباتات الجميلة وذلك بصورةٍ سهلة منطلقة تقوم على قاعدةٍ بسيطة، بحيث تبدو هذه اللوحات المخطوطة وكأنها لوحات فنية تعلق على الجدران وتزينها، أخذت تعرض بشكلٍ شبيه بشكل الخط الثلث أو النستعليق وعلى شكل لوحاتٍ كبيرة.وفي منتصف القرن السابع عشر استخدام فنانو الخط “الشافعة” في “حرات” الخط المكسور المعروف باسم “شيكاست” الذي يقوم على أساس خط النستعليق، ويتميز هذا الخط الجديد عن خط النستعليق –كما يشير اسمه ويبدو لأول وهلة– باستخدامه لالتواءاتٍ خاصةٍ به من نوعٍ خاص، كما يتميز أيضًا بعدم الانتظام والتغيير المفاجئ الذي لا يعتمد على قاعدة معينة وبالحروف الكثيفة داخل النص المكتوب.وتعود عناصر فن الكتابة المستخدمة في خط”شيسكات”، وبشكلٍ رئيسي، إلى الخط الديواني الذي كان يستخدم لكتابة الشهادات والوثائق في القرون الوسطى، والذي حل محل التوقيع في مجموعة الخط النسخي، وازدهر بصورةٍ خاصةٍ في عصر ازدهار مدينة القسطنطينية.وفي بلاد المغرب الإسلامي، أي في المنطقة الممتدة ما بين طرابلس والمغرب حتى أسبانيا، خلال الفترة التي ساد فيها الخط النسخي في المشرق، انتشر نوع من الخط المأخوذ عن الخط الكوفي الدقيق، ما زال سائدًا في شمال إفريقيا حتى اليوم، بعد أن دخلت عليه تعديلات بسيطة، وازدهر خاصة في القيروان، لذلك أطلق عليه اسم الخط القيرواني. وفي القرن الثاني عشر انتشر هذا الخط بشكلٍ واسع وخاصةً في أسبانيا حيث برز بصورةٍ خاصةً في كل من إشبيلية وبلنسية، وانتقل بعد ذلك إلى صقلية حيث ازدهر في ظل الحكم العربي وطوره الحكام فيما بعد.

 

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin