هل أنت أسير لعاداتك؟ 

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

إننا إذا حل بنا التعب وأدركنا الكلال والوصب، وجب علينا أن نجاهد ونبذل وسعنا لكي نتفهم الحياة، وندرك كنهها ويكون لدينا الثقة بأننا أكفّاء لها، جديرون بها. أعرف شابًا كان بطلًا من أبطال الملاكمة، وكانت له جولات عديدة في الوزن الثقيل كان يخرج منها جميعًا فائزًا منتصرًا، ومع ذلك لا أذكر أنه اشتبك مرةً مع أحدٍ في الطريق. فكان يبدو لمن يراه من الناس أنه لا يمزح مع أحد، ولا يهزأ به أحد، وأنه قادر تمامًا على الاهتمام بنفسه. كان هادئًا، حييًا، متواضعًا، ولكن هذه الثقة التي تلوح على مُحيّاه، والاعتداد الذي يرتسم على ملامحه، ينشران تحذيرًا دون أن ينطق بكلمة.

إن تنمية قوانا وتربيتها تتطلب منا تمرينًا وممارسة، وثباتًا واحتمالاً. ولست أرى وسيلة أخرى غير هذه الوسائل لتنمية قوانا، فأنت إذا وضعت إحدى ذراعيك في حمالة بضعة شهور، وجدت بها ضعفًا شديدًا يعجز معه عن رفع كتاب صغير. أما إذا استعملتها بكثرةٍ زائدةٍ عن المألوف فإنك ستحصل على قوةٍ إضافية. هذه حقيقة ثابتة بالنسبة إلى كل من القوى العقلية والبدنية.

وفي سبيلك إلى تحسين قواك العقلية ستواجه كثيرًا من الأعداء البدنيين والعقليين وستصطدم بهم، فأنت ينبغي عليك أن تفهم الشيء الكثير عن نفسك، وعن قواك، وكيف تستعملها، إذا أردت أن تواجه هؤلاء الأعداء وأن تنازلهم بشجاعةٍ وبجرأةٍ تفوز بعدها بالظفر والانتصار، هذا النضال مع أنفسنا أشبه بنضالنا وكفاحنا مع غيرنا من الناس؛ لأننا نتألف من ضرب من ضروب الشخصية المزدوجة، نفس طيبة خيّرة وأخرى شريرة، نفس قوية وأخرى ضعيفة، وحين يكون الجانب الضعيف نفوذه وسطوته، نعيش حياتنا تعساء أشقياء، يملؤنا الخوف والجزع في أغلب الأحيان.

هذه الشخصية المزدوجة تخبرنا وتضعنا تحت الفحص، لتجبرنا وتضطرنا إلى النضال والعراك، إذا أردنا أن نكون أقوياء أشداء. هذا النضال يكشف عن الخلق ويظهره، ويبعث في النفس الثقة والطمأنينة، ويربي فينا الإيجابية، ويجعل منا رجالا ذوي حزم وعزم ويأس شديد.

إنني أتمنى أن نبدأ بالصيحة التي نادى بها جان جاك روسو والعودة إلى الطبيعة والمعيشة وفقًا لها، هذه الصيحة التي يجب أن يتمسك بها العالم بأسره، وعلى أوسع نطاق حتى تشمل الكون جميعًا. لأننا منساقون صوتًا بل مدفوعون دفعًا إلى حالةٍ فيزيقية بطيئة السير، بل عديمة الحركة، قليلة الجدوى، فيها أبلغ الضرر لصحتنا وسعادتنا.

إننا نتأرجح مع البندول إلى مدى بعيد. ودرجنا على أن نأخذ السهل اليسير من الأشياء ونقتنيها لمجرد المتعة والترف فحسب.

أما الذين يعالجون المسائل الخارقة للعادة ويهتمون بما يخالف المألوف، فإنهم يجنون ثمرة عملهم هذا كل يوم، ويتحملون مغبّته في كل وقت. إن إلتهاب الزائدة الدودية، واضطراب المثانة، ومرض البول السكري، وجميع الأمراض والعلل التي تتعلق –من قريبٍ أو من بعيد– بتوقف حركة الدم من أجل الحياة والبقاء، متفتشية تفشيًا كبيرًا. وكثرة الأعمال في الوقت الراهن وتواترها تدعو حقًا إلى المزيد، لا إلى الإقلال، من النشاط الفيزيقي لحفظ توازن الفرد.

لا تشرع في البحث عن أسهل الطرق، ولا تنطلق وراء سهل أقل مقاومة وأقل تحملاً. بل اقنع نفسك بأن الطريق سهلًا مهما كان، وكيفما كان، بغض النظر عما قد يصادفك من أمور شاقة، أو شئون مستعصية تجابه بها. فإنك لن تتردد، ولن ترتد، ولن تنكص على عقبيك، ولكنك ستمضي قُدمًا، بجنان ثابت، وقلبٍ صارم، وصدرٍ جرئ، وعندك الميل والرغبة الأكيدة للنضال والكفاح.

القوة والإرادة

وحين تضيف إلى قوتك ومظهرك إرادة أكثر إيجابية فإنك ستغدو سيد نفسك.

إن جميع ضروب الاضطرابات الذهنية والعصبية مدينة في الواقع بوجودها وبقائها إلى العادة، فنحن جميعًا آدميو العادة، ولكن النماذج الحساسة، سريعة الانفعال العاطفية، غالبًا ما تكون عرضة للكآبة والغم والضعف والوهن، وكما أن الأنباء السيئة تستقبل بسرعةٍ أكثر مما تستقبل بها الأنباء الحسنة، كذلك الحال مع أولئك الناس ذوي الحساسية، وذوي الشعور المرهف، سرعان ما يكونون عادات الخوف التي يمتازون بها وتجعل منهم في أغلب الأحيان أناسًا غير سعداء.

والأشياء التي يمكننا أن نردها بفطنةٍ وبحكمةٍ إلى دائرة العادة تجعل الحياة أكثر سهولة وأكثر كفاية. مثال ذلك إذا كان الشخص يلاحظ أصابعه دائمًا أثناء عزله على البيان، أو حين يكتب على الآلة الكاتبة، فإنه لن يستطيع أن يكون ماهرًا أو بارعًا في تلك الأمور.

وكم يكون مربكًا لنا وشاقًا علينا إذا درّبنا نفس الانتباه الواعي طول الوقت الذي نقود فيه سيارة على الرغم منا في بادئ الأمر.

وهناك مئات من الأفعال التي يمكننا أن نتقنها ونحسّن أداءها بتركها لعقولنا الباطنة، التي تعني في الواقع، العادة، فإن الشيء الذي تكون قد اعتدناه عن طريق العادة يمكننا أن نفعله بسهولة.

كأن نعزف مثلًا بعض المقطوعات الموسيقية (غيبًا) وفي ذات الوقت نستمر في الحديث مع شخصٍ ما. ولكننا في بادئ الأمر نجد أنفسنا مضطرين لتركيز كل جهدنا الواعي ووضعه تحت أمرنا لنعزف المقطوعة وحدها.

لنفرض أنه يتحتم علينا أن نجتاز بوعي عملية رفع أذرعنا، سنجد أن عضلات معينة تتقلص وأن أخرى تتمدد، وربما تحتاج هذه العملية لإنجازها إلى ثلاثين ثانية، ولكننا مع الاعتياد يوعز إلينا أننا نرغب في رفع ذراعينا، فيقوم عقلنا الباطن بتنفيذ الأمر وتحقيق الرغبة، ولكن قد يكون هناك مجهود واع في البداية. فالطفل لا يستطيع أن يبدأ في السير مباشرة وبلا وساطة، حتى بعد أن تصبح قدماه متماسكين ويقوى على الوقوف عليهما، إنه لا يزال في حاجة إلى تمرين وتوجيه واعٍ لمساعدته على تعلم فن التوازن.

قد يكون لديك عادات صغيرة تحب أن تغيرها

وقد يكون عندك بضع عادات كبيرة نوعًا ما. فماذا أنت صانع لتغييرها ؟ وكيف يكون السبيل إلى ذلك؟ ليس بالتفكير في أنها أكبر منك، وإنما بإقناع نفسك أن في استطاعتك تغييرها بالتدريج شيئًا شيئًا، واعتقادك أو إيمانك بأنك تستطيع ذلك هو الخطوة الأولى. أما الخطوة الثانية فهي بناء عادة جديدة تحل محل العادة الغير مرغوب فيها، وليس من الميسور أن تنبذ عادة قديمة دون أن تستبدل بها شيئًا آخر، فلقد أصبحت تلك العادة جزءًا من أسلوبك العقلي. ولا يمكنك أن تزيلها وتترك مكانها شاغرًا.

كتب لي أحدهم يقول: “منذ بضع سنين اعتدت أسلوبًا خاصًا في التغذية، أحسب أنه كان أسلوبًا لا بأس به ولا غبار عليه، ولكنه تغلّب علي إلى درجةٍ أصبحتُ لا أستطيع معها أن أتناول أي وجبة من الوجبات مع زوجتي خارج المنزل، فلقد وجدت نفسي مضطرًا إلى مضغ كل قضمة من الطعام عددًا معينًا من المرات، بطريقةٍ واضحة تبدو على جلية للعيان، وإذا حاولت ازدراد الطعام قبل مضغه العدد المعلوم أحس به وكأنني يخزني في حلقي، ومن ثم ينتابني العرق وغصة، فهل من سبيل لتغيير هذه الحالة ؟ “

إنني واثق تمامًا من أن القارئ المتوسط لا يمكن أن يخطر على باله أن العادة في ميسورها أن تتسلط على الشخص وتخضعه لها أو تستذله إلى هذا الحد، ولكن أليس هناك كثير من الناس يذهبون إلى العيادات السيكولوجية يشكون ألف عادة وعادة راغبين في التخلص منها ؟…

كثيرًا جدًا عندهم من أمثال تلك المخاوف الحمقاء التي تجعلهم في دهشة من أمر أنفسهم إذ يتسرب إليهم الشك في رجاحة عقولهم، ويبدأون يخافون الانحراف العقلي ومن ثم يضيفون المزيد إلى تعاستهم وشقوتهم.

إن للعقل مقدرة على تصوير معظم الأشياء التافهة بوساطة رسمها على المخيلة بوسيلة مخربة، هدامة. وإذا استمر على ذلك تغدو تلك الصور عادات حقيقية لا يلبث الشخص عندها غير بعيد حتى يقع في ” فخ عقلي”.

والعادات يمكن هزيمتها وتحطيمها. فأنت مثلاً قد غيرت الكثير من عادات تفكيرك في أثناء حياتك. فكل مرحلة من مراحل النمو الإنساني تحمل ما يوافقها ويتناسب معها من عادات التفكير. ففي سن العاشرة نتأمل الأشياء ونتفحصها بطريقةٍ معينة، وفي سن الخامسة عشرة اختلفت وجهة نظرنا وتغيرت إذ كوّنا عادات تفكير جديدة؛ وفي سن العشرين، حين نشعر بحرارة الشباب المتدفقة تسري في أوصالنا، وبروح الرجولة القوية تتوثب وتضطرم فينا، نشعر بأنفسنا وقد تم نضجنا ومن ثم نتخذ لأنفسنا أفكارًا جديدة نحو أنفسنا ونحو الحياة … أفكارًا ستغدو فيما بعد عادات.

وهكذا تسير الحال على هذا المنوال، فإن أنت اتخذت لنفسك صديقًا يرافقك دائمًا في غدوك ورواحك، وكان بهذا الصديق تلعثم أو تلجلج، فلن يطول بك الوقت لتجد أنك تعاني صعوبة في نطق كلمات معينة.

العادات قوية جدًا. يأتي بعضها بالوراثة؛ ويرسّخ بعضها عن طريق البيئة والوسط وبالتمرين المبكر؛ ويكتسب بعضها بوساطة باكورة المجهود الجدي المجدي من أجل تحسين أساليبنا وترقية تعبيراتنا في الحياة.

إنك إن كنت تسكن في منزل معين بضع سنين ثم انتقلت إلى منزلٍ آخر جديد، ستجد أنك تسير بدون وعي في اتجاهات خاطئة نحو الأبواب والممرات في هذا البيت الجديد، ولكن عقلك سيسلك بالتدريج ترتيبًا يتعوّد عليه، ومن ثم ستجد بعد مدة من الزمن سهولة في التنقل لا شعوريًا في أنحاء المنزل الجديد كما كنت تفعل في المنزل القديم. ثم إنك ستقف بعد ذلك لتستعيد إلى ذاكرتك كيف كان ترتيب أو رسم البيت القديم. وهكذا تكون قد استبدلت عادة بأخرى غيرها.

والآن دعنا نتخيل العقل كأنه حقل، الأفكار هنا تأخذ في التنقل والطواف عبر هذا الحقل العقلي في اتجاهٍ معين، ولا يمضي وقت طويل حتى يكون الطريق الذي ندعوه بالعادة قد تكون ممهّد.

وإنه ليصبح وسيلة وسبيلاً أقل مقاومة وأقل احتمالاً، وتتدفق أفكارك طبيعية في هذا الاتجاه، ولكنها العادة الحقيقية تلك التي تجعل من هذا حقيقة واقعة.

ولنفرض جدلاً أنك اعترفت وسلّمت بعاداتٍ معينة قد تكون هدامة أو مضعفة للخلق والصفات وترغب في التخلص منها، لتحقيق هذا الأمر يتحتم عليك أن توجه أفكارك شعوريًا عبر هذا الحقل أو المجال العقلي في اتجاهٍ واحد جديد. وستجد بعض الصعوبة حين تقوم بهذا؛ لأنه لا يوجد هناك أي سبيل أو مسلك وإنما سيكون هناك ما يعوقك من العوائق العديدة، والموانع الكثيرة، وستجد مشقة في التغلب عليها.

ولكنك إذا داومت على ذلك يومًا بعد يوم، مجاهدًا نفسك مستنفدًا وسعك، لنسيان أسلوب الفكرة القديمة بقدر ما تستطيع، وبكل ما في طاقتك من مقدرة، ستجد بعد مدة وجيزة أنك ستنجح في إنشاء عادة جديدة غاية الجدة.

إن العادات تتكون مع التكرار والإعادة، بعمل شيء بذاته مرارًا وتكرارًا، ومكافحة عادة من العادات يقتضي عزماً أكيداً وتصميماً ملحاً. ويستلزم وضعًا أو اتجاهًا إيجابيًا، ورغبة قوية لشيءٍ جديد يحل محل الشيء القديم، وبعبارةٍ أخرى، يجب أن تكون رغبتك إلى الحالة الجيدة أقوى بكثير من الرغبة التي تعبر أو تعرب عن العادات القديمة، بيد أن الأمر سيحتاج إلى بعض الوقت قبل أن تبارحك الرغبة القديمة وتحل عنك نهائيًا.

سبق أن بينا لك من قبل أن العادات تتكون في عقلك الباطن. وحيث أن هذه الحالة من حالات العقل لا تمتلك أية قوة تفكيرية أو تعليلية، فإن العادات السيئة، المستهجنة، يمكن أن تتكون. ولكي تهدم عادة قديمة يتحتم عليك أن تزود هذه الذات اللاشعورية بإيحاءاتٍ نقية منعشة، ومن خلال تلك الإيحاءات صور هذه الرغبة الخاصة على ضوء ما ترغب التعبير عنه.

إن عقلك الباطن يعمل من خلال رموز وإشارات وصور وإيحاءاتٍ خارجية، وليس فقط في أي حاسة خلال عمل من أعمال إدراكه. إنه آلي في عمله تقريبًا. ولذلك فإنك ستجد فيه نفعًا وعونًا إذا امتددت نفسك بإيحاءاتٍ معينة محدودة، صباحًا ومساء، متصورًا هذه الحالة الجديدة التي ترغب في بنائها لنفسك.

إن في ميسورك أنت، وفي متناول يدك أنت، أن تملك عنان القوى التي تكمن فيك . وفي إمكانك أن تتعلم كيف تواجهها، وكيف تسيطر عليها، وكيف تكون مالكاً لزمامها، بدلاً من تركها لجموحها الطائش الذي قد يسبب لك ألماً ممضياً، وعذابًا أليمًا، وبؤسًا مريرًا.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778