هل لديك المهارة الكافية لكتابة نص أدبي رائع؟

 

لا بد لنا حين نريد فهم نص أدبي فهمًا واعيًا وشرحه شرحًا صحيحًا جيدًا من مُمهداتٍ نطلع عليها، فتساعدنا على فهمه، وهي الاطلاع على حياة الأديب، ومعرفة بيئة النص وزمانه، والحياة العامة في العصر الذي قيل فيه. فإن لفظة ما قد يكون لها في عصر معنى لا يكون لها في غيره، وقد تكتسب في بيئةٍ ما لونًا إضافيًا من التعبير لا يكون لها في بيئةٍ أخرى، وقد يكون لها عند كاتب من الكتّاب، أو في كتابٍ معين قيمة لا تكون لها عند الكتّاب الآخرين أو في الكتب الأخرى.

وتجد نماذج كثيرة لهذا النوع من الألفاظ في القرآن الكريم نفسه، فلفظة صلاة كان يُفهم منها إذا أُطلقت في الجاهلية معنى الدعاء، ولكنها في القرآن وفي البيئة الإسلامية، تدل على طقوس العبادة اليومية الخمسة التي يقوم بها المسلمون وفق نظام مخصوص.

وهذا المثال الذي ضربناه لك ناحية واحدة من نواحٍ كثيرة تدعونا حين مطالعة نص أدبيّ ما، إلى الإطلاع على حياة كاتبه وبيئته وعصره. ولا بد لنا أيضًا لفهم النص فهمًا صحيحًا من معرفة المناسبة التي قيل فيها، فإن ذلك يوضح لنا الدوافع النفسية والاجتماعية التي دعت إلى كتابته من جهة، ويوضح لنا كثيرًا من النقط التي تبدو لنا غامضة فيه من جهةٍ أخرى.

كيف تقرأ نصّ أدبي لتفهمه

فإذا اطلعنا على هذه الأمور الضرورية كلها أخذنا بقراءة النص نفسه، وعلينا أن نقرأه قراءة متأنية مفكرة عدة مرات، رافعين صوتنا بالقراءة، لنتذوق ما فيه من جمال الموسيقى، ولنشرك جميع حواسنا أثناء التلاوة، فننصرف بكل ذهننا إليه.

نشير في المرة الأولى إلى المفردات الغريبة التي لا نفهم معانيها، فنطالع معانيها في المعاجم التي بين أيدينا، أو في شروح الكتب التي يوجد فيها النص إن وجدت لها شروح، وننتخب من معاني الكلمات ما يلائم النص، وما يوافق عصره، وبيئته، ومناسبته، وروح كاتبه.

ثم نقرأ النص القراءة الثانية، فتتضح لنا معاني الأبيات التي كانت غامضة علينا قبل مطالعة مفرداتها الغريبة، وقد نمر بأبياتٍ لا تتضح لنا معانيها بالرغم من معرفتنا بمعنى كل لفظةٍ منها على حدة، لعدم وضوح تراكيبها بسبب تقديم أو تأخير، أو حذف أو إيجاز، أو زيادة كلمات أو سوء استعمال للضمائر، أو أمور أخرى غير هذه، فعلينا أن نقف عند هذه الأبيات وقفات طويلة، نكرر فيها قراءتها، ونفكر فيها، ونردها إلى ما يجب أن يكون عليه ترتيبها ووضعها، ونثبت في ذهننا ما حذف منها، حتى تبدو لنا معانيها واضحة بالبداهة، أو نشعر بعجزنا عن فهمها، فنستعين على فهمها بغيرنا ممن هم أوسع منا اطلاعًا، وأكثر تمرّسًا بمطالعة نصوص الأدب.

فإذا انتهينا من فهم الأبيات عدنا إلى قراءتها مرة ثالثة، منتبّهين فيها إلى ما تحويه من تراكيبٍ نحويةٍ صعبة استوقفتنا أثناء فهم معانيها، فنسعى إلى إعرابها مستعينين بما اتضح لنا من معانيها، ونسجّل ما يعني لنا من ملاحظاتٍ عليها، لنذكرها في حديثنا عن أسلوب الأديب صاحب النص، إذا طولبنا بشرح الأبيات مشافهةً أو كتابة.

ثم نقرأ الأبيات قراءة رابعة، ننتبه فيها إلى ما تشتمل عليه من تشبيهاتٍ جميلة، أو تعابير رشيقة، وصناعة أدبية، بديعية وغير بديعية، وننتبه إلى نوعها، وطابعها، وأثرها في نفوسنا.

فإذا أنجزنا هذا كله أعدنا قراءة النص مرةً خامسة، نستمتع فيها بجماله ونتذوق حسن موسيقاه، لنشارك الشاعر في عاطفته، ونستفيد من آرائه وأفكاره. وهذه القراءة الأخيرة هي الغاية التي تسعى إليها القراءات الأولى كلها.

وقد تنتهي بك كثرة مطالعتك للنصوص الأدبية، وتمرّسك بها إلى تذوّق النص بجميع دقائق جماله منذ القراءة الأولى، وذلك لا يتوفر لك إلا بالدأب المستمر على المطالعة.

وبعد، فهذا ما يجب أن تفعله حين يطالبك الأستاذ بتحضير نص في دارك، أو مما تمهّد به لشرحه، حين تطالب بشرحه في الامتحان.

الكتابة في شرح النص

إذا طولبت بأن تشرح نصًا ما شرحًا أدبيًا فأول شيءٍ تفعله هو مطالعته مطالعة واعية وفق الطريقة التي ذكرتها في الموضوع السابق، ولكن عليك أثناء قراءتك المتوالية أن تسجل ما يبدو لك من ملاحظاتٍ تتعلق بأسلوب الشاعر من حيث تركيب جمله وألفاظه وأخيلته (كالتشابه والاستعارات والمجازات والكنايات التي يأتي بها) وصناعته الفنية (كالطباق والجناس وغيرهما من فنون البديع) وغير ذلك من ملاحظاتٍ تبدو لك.

فإذا انتهيت من هذا فعليك ترتيب أفكارك بادئًا بالأهم منها فالمهم، ووِفق التسلسل المنطقي المعقول بعد أعمال ذهنك ومحاكمتك. 

وإني أرى أن تسير في الشرح وفق الخطة الآتية:

1. موضوع النص (تذكر ما هو).

2. مناسبته (تذكر باختصار).

3. عاطفة الشاعر فيه (أو العواطف الماثلة فيه).

4. أفكاره الأساسية (النقط الأساسية التي يتحدث عنها والتي تكون هيكله الأساسي) .

5. تأخذ بعد ذلك بشرح بمعانيه شرحًا تتبع فيه أسلوب المساواة (أي تتجنب الإنجاز المخل والإطناب الممل).

6. تشير بعد ذلك إلى ما فيه من مميزاتٍ أسلوبية تتعلق بعلم المعاني (تقديم، إيجاز، إطناب، جمل خبرية، جمل إنشائية، تأكيد في الجمل … الخ) وعلم البيان (تشابيه، استعارات، مجازات، كنايات … الخ) وعلم البديع (سجع، جناس، طباق … الخ).

7. تذكّر أثره في نفسك (ما استحسنت فيه وما استقبحت وهل تشارك الأديب في شعوره أو لا تشاركه) ثم قيمته في رأيك بالنسبة إلى ما حفظته أو طالعته من نصوصٍ أدبية، فإذا انتهيت من هذا فعليك أن تقرأ ما كتبت عدة مرات، تصلح فيها ما ارتكبت من أخطاء اللغة والنحو والإملاء، تضع النقط والفواصل، وتعنى بوضوح معانيك وجملك، ولا تترك فيها شيئًا من الغموض.

وإذا لم تكتب الموضوع في قاعة الامتحان، ليؤخذ منك عقب انتهائك منه، فعليك أن تعيد النظر فيه بعدة أيام، لتصلح ما فيه من خطأ.

والأحسن أن تصطفي من رفاقك اثنين أو ثلاثة، تكون معهم شبه جماعة أدبية فتقرأ عليهم ما تكتب، ويقرؤون عليك ما يكتبون، ليصلح كل منكم خطأ الآخر، لأن الإنسان لا يرى عيب نفسه وهو أبصر بعيب غيره، ولأن المدرس ليس دائمًا معك ليصلح خطأك، ولأن عدد الوظائف التي يطالبك بها ليصلحها لك لا يكفي لتقوية إنشائك، لا سيما إذا تذكرت أن عدد الطلاب كبير لا يتسع معه وقت المدرس إلى الإكثار من الوظائف التي يصلحها بنفسه.

 

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778

admin