أولستَ بكاتب؟! لهذا السبب تكتب أوكتافيا بوتلر

الفنون والترفيه

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

تقف الكلمات كثيرًا في حنجرتي تُقاوم الصعود، فتتلقفها ريحٌ عاتية تتمثل أمامها بكل جبروتٍ؛ لتقول لها أين أنتِ ذاهبة؟!تسألها وكأن لها الحق في تقرير مصيرها، في حين أنّ الحق هو ما تقضيه روحي بحق البوح، فإما أن يكون إن أستطعت أو لا يكون!وليس الأمر في البوح بحد ذاته إنما الأمر في قدرتنا على البوح، وعلى أن يصف البوح مكنون العقل والنفس كما هما، والأهم من ذلك؛ هل يُجدي إصلاحًا أو توضيحًا أو يصف مشهدًا تدور أحداثه في داخلنا؟!والواقع يقول ما نحن إلا حكاية عابرة على رحى هذا الكون، وقطرة من غيثٍ أُفرِغت على وسيعةٍ تتهادى أطرافها بالخلقِ الكُثر، ولكلٍ منهم حكاية .. حكاية تتجشم حمل عمرٍ بما فيه، تفرد سلسلة من أحداثٍ متباينة، ترسم مشهد لعابرٍ يمضي بالحياة مستنيرًا بماهية وجوده وكنهها، وإن لم يستنر ضاع وتلاشى في كتاب الأرقام الدنيوية، وتبقى صفحته تمتلئ بشخبطاتٍ تُقرر كُنهة وجوده في الحياتين.  يبدو أن الأمر أعقد من صياغة حكاية، أعقد من بوحٍ تتقاطر كلماته على صفحات كتاب، أعقد من زفراتٍ تُكْتَب بحروفٍ متعالية، تأبى السقوط على ورقةٍ صُنِعتْ لتكون لها. وهنا نتساءل كيف نكتب؟! كيف نفرغ ما بدخلنا بهيئةٍ ما، بشكلٍ ما؟! يترتب  علينا أن نكتب كما نحن، كما نُفكر، وكأن تفكيرنا يتصبب أحرفًا فيُشكّل كلمات تقع على واحةٍ بيضاء؛ فتغدو بهمةٍ متتالية تزرع فيها صنوف الأفكار، وتمايز الخواطر، وتشق بين ترابها جداول الآراء، وأنهار المواقف. لا تأبه للشوك المستطير بين ثناياها، ولا تعر انتباهك لصيحات الجوار التي قد تغرك كثرتها؛ فتُحيدك عن الطريق الرشيد، وتظن أنك قد تفردت بالرأي السديد!ولا أُخفيكم أمرًا؛ فلقد أخافني الجاحظ بقوله: “يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى أثره” وما للكاتب من أثرٍ إلا ما كتب! .. وهنا أقف عند حدود نفسي أُسَاءِلُها، وأستميت بين دفاعٍ وهجوم؛ حتى تتضح الصورة، ويُؤذَنَ للبوح بالعبور أو فليعد من حيث أتى. في الواقع ما يجعلني أشعر بالغرابة والحيرة هو نضوح كمًا هائلًا من الكُتابِ في زمنٍ يكاد يكون قياسيًا! هل كل من جمع بعثرات كلماته يُعدّ كاتبًا حقًا؟! أم هم -ياترى- يتمثّلون قول دوجلاس ادامز الكتابة عمل سهل، فليس عليك إلا أن تحدق في ورقة بيضاء إلى أن تنزف جبهتك”أعتقد أن حرية الكتابة وعفويتها شيءٌ مهم، لكن حين تكون مُفرغة من المبادئ والأخلاقيات، ولا تقوم على أساس فكرٍ قويم؛ تُصبح مجرد هراء لُطِختْ به وريقاتٍ بيضاء. يقول باربرا كينغسولف “لا تفكر أبدًا بما يريد الناس سماعه منك، بل فكر بما تريد قوله؛ إنه الشيء الوحيد الذي سوف تقدمه.” أتفق مع قوله هذا، لكن وجب التنّبه لقاعدة متينة يغفل عنها الكثير، -وهي التي تجعلني أتردد كثيرًا فيما أكتب على مرأى الأعين- وهي ما هية القيمة الحقيقية التي ستضيفها لهذا الكون مما كتبت؟! بشكلٍ أعمق؛ ما هو الأثر الذي ستتركه في نفس القارئ والذي أنتَ بصدد زرعه أصالة عن ذاتكِ التي همّت بالبوح؛ لتترك هذا الأثر، أو لتزرعه! 

هنا -فقط- يجب على الكاتب أن يقف في محراب الفِكْر  والكلمة، يُنقح الأفكار ويُرشحها، ويُخضِعها لقانون الأثر الطيب، ينتقي من أطايب ذاته ما زُرع بين قلبه وعقله معًا، يستخلص مزيجًا من قوة الكلمة ومرونة الطرح، لا بأس إن وقف كثيرًا يتأرجح بين تسطير وشطب، وبين تفكيرٍ وَصَبْ، بين عذوبة الكلمة وصلابة الفكرةِ، بين واثق الخطوة ومتردد الخطرة، بين زهرات لا زالت تتفتح وبين جذور ضاربة في أعماق القيم الإنسانية.

أولستَ بكاتب؟! 

ولِمَ لا تملأ الأرجاء بما تكتب.. لسنا بهذا يا كرام!إنما نحن بما تتلوه أقلامنا، فإما أن تُحسِن وإلا فلا يجب عليها أن  تُزاحم ترهاتٍ متكاثرة، غزتْ النفوس، وتعثرت من هولها صولات الكَلِم الأحق. فإن لم يكن بمنزلة الأثر الطيب كان بعكسه، فتراه وقد ارتد عليك وعلى قرائك بأمرٍ لا يطيبُ إلى كنه وجودك ولا تطيب له، تقول أوكتافيا بوتلر: “كل قصة أبدعتها، أبدعتني، أنا أكتب لأكونّ نفسي”  وفي الختام سنجد أنه إلى بحر الكلمات تنتهي أحرفنا، ومن فيض البوح تتجدد أرواحنا، وعلى سلم الإرتقاء نعتلي قمة السمو الإنساني؛ لنرفع رايتنا في هذا الوجود، ونغدو فيه كما وجب أن نكون عليه.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد