لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

حياتنا عبارة عن مقتنيات نكتسبها ومهدرات نتركها، والإنسان يتأرجح بين قطبي هذه المعادلة ويحاول أن يكتسب كل ما هو مفيد لكي ينتفع منه ويهجر كل ما هو غير مفيد لكي يحافظ على وقته وجهده وقيمة حياته، بيد أن المشكلة في المكتسبات التي فقدناها أثناء محاولة تجديد أو إضافة مكتسبات أخرى أثناء العلميات الحياتية بغير قصد أو بدون شعور. أحيانًا نستطيع أن نلحق ونعوّض ما فقدناه من أشياء نحتاجها، إلا أن المشكلة الصعبة تكمن فيما فقدناه ولا نستطيع تعويضه.قبل أن تسافر إلى بلد الابتعاث وتخرج من دائرتك المجتمعية إلى مجتمعٍ آخر مختلف تمامًا، تأتي وأنت محمّل بالثقافة المحلية والمبادئ التي نشأت عليها والاعتقادات التي تؤمن بها، ثم تأتي برصيدٍ جيّد في العلاقات الاجتماعية وقد تكون تحظى بمكانة ومنزلة هي امتياز لك تشعرك بالاعتزاز كونك تمتلك تلك الأشياء.هناك أساسات في الحياة لا يمكن أن نساوم عليها، ببساطة لأنها أساس، كالدين والهوية والقيم والولاء للوطن والأسرة وبعض العلاقات الاجتماعية القريبة جدًا من قلوبنا التي شكّلت شخصياتنا، فهي جزء أساسي في حياتنا يجب عليك أن تحافظ عليها من الانصهار في ثقافة الآخر. هناك أيضًا مكتسبات قد نضيفها لحياتنا لأننا وجدنا فيها قيمة ورصيد حقيقي لنا، كالعلم وتوسيع الدائرة الاجتماعية والاطلاع على ثقافات وفنون وتقاليد الآخرين وكل التجارب القيّمة التي تضفي معنى لحياتنا.كل ما استعرضناه كان جميلاً في سواءً الأساسيات أو المكتسبات، إلا أن أهم الركائز التي تساعدنا على المحافظة عليهما هي “سلّة المفقودات”. وأقصد بها أنه علينا أن نكون حذرين في اختيار أولوياتنا وأن ننتبه جيدًا لمَ هو في هذه السلّة وهدفها هو كل ما هو ضار أو غير نافع. بالتالي احذر أن تكون وضعت “أساس أو مكتسب” في هذه السلة بغير قصد أو دون إدراك تام لأهميّة ما وضعته، فالعواقب بلا شك وخيمة والتكلفة حتمًا ستكون عالية الثمن.ما دعاني لأكتب هذا المقال هو ما سمعته عن بعض المبتعثين الذين جاؤوا إلى بلد الابتعاث لغرض الدراسة ثم تحوّل الهدف تدريجيًا إلى أن أصبح في مزالق الضلال والانحلال وتدهور الحالة الاجتماعية.

لقد شدّتني قصة كل ما تأملتها حزنت على أبطالها:

جاءت زوجة مع زوجها المرافق وأبنائها لبلد الابتعاث، وبعد أن دخلت الجامعة ومع الاختلاط بين الجنسين -وهذا طبيعي في بلدٍ أجنبي- بدأت المشكلات تظهر على السطح. كانت المشكلات بسيطة وصغيرة ويمكن حلّها قبل أن تتفاقم. لا أود الخوض في تفاصيل القصة لكنها انتهت بأن الزوجة تقدّمت للشرطة بشكوى تعنيف وضرب متهمةً بها زوجها.الشرطة قبضت على الزوج وأودعته بالتوقيف تحت التحقيق. مرّت أيام قليلة وعانت الزوجة مع الأولاد في إيصالهم للمدارس وتجهيزهم ومستلزماتهم وكل شؤونهم التي كان الزوج يقوم بها ويتحمّل تلك المسؤولية، شعرت الزوجة بالتعب والإعياء من هذا الوضع الأسري المتفكك ومن الوضع النفسي لها ولأولادها من جهة، ووضعها الأكاديمي من جهةٍ أخرى، فوقفت عاجزة عن حل تلك المشكلات.بعد أن هدأ غضبها، قررت الذهاب إلى الشرطة لتتنازل عن زوجها وأخذت تدّعي أن ما أقدمت عليه كان كذبًا وبهتانًا!! لكن الشرطة الأمريكية لم ترضخ لكلامها وقالوا نحن من سيتعامل مع الزوج خصوصًا أنكِ كنتِ مصابة بكدمات، فرفضوا كلام الزوجة و لازال الزوج يقبع خلف قضبان السجون الأمريكية حتى تتم محاكمته بحسب القانون الأمريكي.كان ذلك بسبب عدم وعي المبتعث و عدم استشراف أنظمة دولة الإبتعاث أياً كانت. و لذلك، على المبتعث أو المبتعثة أن يجعل مرحلة الابتعاث مرحلة تصافي وتسامي عن الخلافات الأسرية و التفكير الجاد في بناء حياة سعيدة أساسها التسامح فيما بين الزوجين.القصة تُدمي القلب وتُدمِع العين، ولكن العبرة تؤخذ أنه يجب تهيئة المبتعث والمرافقين له بقوانين بلد الابتعاث وثقافته وطريقة الحياة فيه ليرفع سقف الوعي لديهم قبل المجيء لبلد الدراسة حتى يتم تفادي الكثير من المشكلات.

أخيراً كلمة لأخي المبتعث/ وأختي المبتعثة:

أتيت إلى بلد الابتعاث وأنت تحمل مبادئ أساسية وأخلاق جميلة في حياتك، أتيت وهدفك العلم لتعود إلى وطنك الذي ينتظر عطاءك. دائمًا تذكر أهدافك، حتى لا تنصهر مبادئك فتنسى سموّ أهدافك، و عليك أن تعرف جيدًا ما هي الإضافات وما هي المفقودات.

همسة:

أثناء وبعد مرحلة الابتعاث، تفقّد سلة مفقوداتك !!

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد