لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

لطالما كنّا ننتظر عودة والدي بفارغ الصبر، عودته من الغربة إلى الوطن، إلى حيث نقطن ونكون، وبقدومه لم تكن الفرحة بأقلِ من نفث روح في جمود حياتنا، وحنينا الدائم لحضوره الدافئ بيننا.. بعودتها تتبدل حياتنا، تتبدل كليًا، من روتين ممل إلى حيوية وحياة.لن أتحدث عن الحنين والعودة هنا، لكنني هنا سأبسط لكم من بوح القلب في جانب الجمال، جمال من نوعٍ آخر، يبعث نسماته عبر أثير الهواء البارد، يصطحبنا فيه والدي إلى حيث أشعر أنه قد صنع لي جناحين وأطلقني في جو السماء، يُخيل لي أني أطير مرتفعة حتى الأعالي ومنخفظة فوق التلال..كنا نشد الرحال متجولين بين مناطقٍ شتى، كل منطقة فيها من آيات الجمال ما يجعلني أقف مسبحة على عظمة ما أوجد  ربي، فمن بين تلك الأماكن والمدن “محافظة إب” الملقبة باللواء الأخضر، وكأن الاسم قد أوحى لكم بكمٍ من الحياة، لكن دعوني أعرج بين شواهق جبالها ووديانها، وبين نسمات الهواء الباردة التي تنساب رويدًا رويدًا إلى أعمق نقطة في كياني ..وأنت حين تفتح عينيك لترى ما ترى من جمال الطبيعية فيها، فما تلبث أن تنشد فيها لحنا مميزا مستقطعا من كلمات نابعة من الأعماق. فلو رأيت الجبال وقد كستها خُضرة من قمتها حتى أخمصها، وعلى رأسها وشاح من سحب متفاوتة تزيد جمالها، ومن بين أظهرها تنبع الأعين مُنسكب الماء من أحداقها، وعلى صوت أنغام الخرير تتراقص أوراق الشجر، ويلين من عذوبته الحجر، فحتمًا ولابد أن يذهب الضجر. يسأم أن يبقى وحيدًا في حين أنّ العصافير تتعالى أصواتها بالزغاريد على إيقاع حفيف الشجر، وعلى البسمات المتناثرة من ثغر الزائرين لها.نعبر الطريق وكأننا لا نعبر فيها بل جنبات خُضرتها تعبر فينا، فتستقر الروح بين هدوءٍ واسترخاءٍ لا مثيل له. تلتفت عن يمينك فترى الباعة المتجولين يحملون من أطايب ثراها، وعن يسارك شتلات نابضة بالحياة تخترق جدار صلب؛ لتُخبِرك بأن اليأس في أرضها مُحرمًا، وأنّ التحدي والصمود ديدنها، وإن عَبِستَ لوهلة في حضورها صفعتك؛ لتستفيق من غمرتكِ، فما تلبث أن يخترق من بلسم  الطبيعة فيها  حنايا فؤادك.وإن نظرتَ إلى البيوت المُعلقة على تدرجات الجبال، تأبى إلا أن تزيد صعودًا حتى الأفق، وكأنها تُسامر النجوم وتنزل في ضيافتها؛ تشعر حينها بشموخٍ يرفع من قدر الإنسان كيف أنه استطاع أن يتخذ من تلك الشواهق مأوى له، تزيد علوًا فيزيد آنفة وفكرًا وجهدًا.نتخذ من تبة مُطلة على شواهق عدة، وكأنها تتدحرج هبوطًا حتى مدى بصرك، وتتماوج على الجنبات بين مدٍ وجزر بغير بحر، تتنفس فيها الصعداء، وكأنّ النسمات حولك في أفراحها تذود ذهابًا وإيابًا، تتساءل من سعيديّ الحظ في هذه الحفلة، فلا تجد إلا روحك؛ بدت وكأنها تسبح في بحر الطبيعة الخلابة، ولسانك تُسبِّح من عظمة ما رأتْ عيناك.بعد هذا تتساءل ألهذه البُقعة اسم؟! فتجد الجواب منها تُخبرك بإن “إب” من أبّا، فإن كان مشتق من اسم الشهر آب (أغسطس) والذي يُسمى في بلادي “سهيل” وهو الرمز لغزارة الأمطار، أو كان من آبّا والتي تعني الكلا والعشب (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)، كلا التفسرانِ يضعانِ صورة البهاء لهذه المدينة الدائمة الخضرة.مدينة “إب” كيف لك أن تشم عبق نسيمها دون النزول في ضيافة سهولها ووديانها ومن بينهم: وادي عنّة وهو الدائم الجريان طوال العام لا يملّ -بفضل الله ونعمته- يجود على المنقطة بخير رِوائه؛ فتخرج من أصلاب الأرض ثمار لها طعم الشهد،  ويجود على زائره بجريانه المتدفق ترحابًا وبشاشة بقدومها، فما تلبث أن تمتلئ قلوبهم وثغرهم بالبسمات والضحكات، وتتسامى أرواحهم مُحلقة مع رفرفرات الشجر حول الجريات، وتتبدل الملامح إلى صفو صفوها، فلكأنها ما ضاقت قط -ما أعظمك ربي-  تتلفت يمنة وميسرة فترى تبادل التحيات بين الزائرين العابرين أو تصافح ومرح الأصدقاء والأحباب. وليس هذا وحسب فما زال أمامك وادي بنا، ووادي ميتم .. إلخ.ولا يمكنك أن تنظر للأفق دون اعتلاء مرتفعاتها الجنوبية والشمالية، ولا أن تكون في حضرة هذه البقعة الخضراء دون أن تتحدث مع تاريخها من مساجد ومتاحف و قصور وحصون وقلاع وسدود وصهاريج وينابيع الحمامات الحارة ..إلخاللواء الأخضر… رمز الحياة، الحياة التي تتجدد على مدار العام بطيف الخضرة، وروعة الطقس والمناخ، خًضرة تدعوك للحياة بحق!
فهيا على الحياة..  وحي على الحياة.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد