تأثير قرية “روسيتو” الإيطالية في الحد من أمراض القلب!

الصحة واللياقة تطوير الذات حياة

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

مرحبًا يا أصدقاء، اليوم حديثي كالعادة ليس جديدًا علينا لكنه موضوع كنا ننظر إليه كمسلّمات ولم أنفّذه حقًا ولم أؤمن بأهميته حتى اليوم. دائمًا ما نسمع أمثال في ثقافتنا من شاكلة “صاحب السعيد تسعد” وهكذا. لكنها دائمًا أمثال نستخدمها ولا نطبقها على أرض الواقع، فنحن محاطون بالكثير ممن يؤثرون سلبًا على صحتنا النفسية. حتى بدأت في قراءة كتاب “أوت لايرز” Outliers لـ”مالكوم غلادويل”Malcolm Gladwell”.يستفتح الكاتب بقصة عن قرية “روسيتو” ROSETO الإيطالية، كان سكان هذه القرية مُعدمين ومعزولين عن العالم وعن جميع متغيرات الحياة، حتى بدأ مجموعة منهم بالهجرة إلى شمال شرق أمريكا إلى ولاية “بنسلفانيا Pennsylvania” واستمروا بالهجرة ضمن مجموعات صغيرة ابتدأت بعشرة رجال وصبي ثم استمر التدفّق حتى استقروا هناك، بدأوا في امتلاك الأراضي وبنوا منازلهم ثم كنيسة وأسموا الطريق الرئيسي باسم بطلهم “جوزيبي غاريبالدي”. في بادئ الأمر أسموا قريتهم الصغيرة “New Italy” لكن بعدها بفترة تم تغييره إلى “روسيتو” نسبةً للمكان الذي أتوا منه.تضخّم هذا التجمّع وبدأوا بتنظيم المناسبات والاحتفالات بقيادة أحد رهبانهم ثم بدأوا بزراعة المحاصيل الزراعية في أفنية منازلهم وإنشاء حديقة عامة ومدرسة، وبقالات ومخابز حتى انتعشت الحياة في تلك البلدة. عاش سكان هذه البلدة حياة هانئة وكأنهم في وسط إيطاليا ولم يتأثروا بمن حولهم، لدرجة عند تجوّلك في شوارعها لن تسمع سوى اللغة الإيطالية باللهجة الجنوبية.كان سكان هذه البلدة منغلقين على أنفسهم ولم يعرفهم العالم، حتى أتى الفيزيائي “ستيوارت وولف Stewart Wolf” وأمضى فصل الصيف في هذه البلدة. لم يكن يعني هذا له كثيرًا أو للسكان، حيث كانوا منغلقين في عالمهم الخاص، لكن يومًا ما وبعد إلقائه محاضرة للأطباء المحليين دعاه أحد الأطباء المحليين لمشروب وقال له “لقد كنت أمارس هذه المهنة لمدة سبعة عشر سنة، ومرّ علي الكثير من المرضى، لكني لم أرَ أحدًا من سكان هذه البلدة يعاني من أمراض القلب تحت عمر الخامسة والستين”شدّ هذا الموضوع انتباه “ستيوارت” مما حثّه لتشكيل مجموعة للبحث في نمط حياة هؤلاء السكان مما قد يؤدي إلى اكتشاف طبي جديد يقي من أمراض القلب. جمع سجّلاتهم الطبية وعاد للوراء بقدر المستطاع  ثم بدأ بجمع عينات من المتبرعين بالدم، أدت إلى نتيجةٍ واضحة، لم يمت أحد تحت سن الخامسة والخمسين بسبب أمراض القلب، ونسبة المصابين به فوق سن الخامسة والستين ضئيلة جدًا! لا حالات انتحار ولا أي علامات لإدمان الممنوعات أو الكحول، ونسبة الجرائم تكاد تكون معدومة.بدأ بدراسة أنظمتهم الغذائية فوجدها مشبّعة بالدهون وليس فيها أي نظام صحي! ثم فكّر في أن السبب جيني، لكن لا جدوى لم تنجح هذه الطريقة. ثم أحال نطاق البحث للمنطقة الجغرافية التي تجذّروا منها وقارن بينهم وبين أسلافهم اللذين يعيشون في مناطق اأرى ليرى ما إذا كان لديهم نفس الصحة الجيدة، ولكن واجه عقبة أخرى حيث أنهم لم يكونوا مثل أقرانهم في بنسلفانيا.عاد مجددًا ليبحث في النطاق الجغرافي تحديدًا المنطقة التي يعيشون فيها حاليًا، هل لعيشهم في سفوح التلال في شرق بنسلفانيا علاقة؟ هل هواء وماء هذه التلال مفيد لصحتهم؟  ليُجيب عن هذا السؤال قام بمراجعة السجلات الصحية لبلدتين بجانب بنسلفانيا ولا تبعد عنها سوى عدة أميال، وتتميز بنفس الخصائص وأيضًا يسكنها مهاجرون من عدة مناطق، لكن كان بانتظاره نهاية مسدودة أخرى.لكن عند هذه النقطة تحديدًا لاحظ أن ما يميزهم ليس نظام أكل معيّن أو منطقة معينة أو رياضة بعَينها، لكنها “روسيتو” نفسها، كلما تجوّل في شوارع هذه البلدة ونظر حوله كان من الصعب تجاهل الحميمية بين سكانها، فقد كانوا مثل عائلةٍ واحدة كبيرة متجاهلين جميع ما يحدث خارج بلدتهم ومكتفين بالمحادثات اليومية في الشوارع والسؤال عن بعضهم البعض. أيضًا كان يسكن تلك البلدة عائلات بثلاثة أجيال، ففي نفس المنزل تجد الأجداد والأبناء والأحفاد والاحترام الذي يحظى به الأجداد كان ملفتًا أيضًا. ثم زاروا كنيسة البلدة واطّلعوا على النشاطات المنظمة هناك ووجدوا من ضمنها نشاطات تعزّز روح المساواة والتي تنهى الناجحين عن التباهي بأموالهم وتشجع الأقل إنتاجًا على محاربة ظروفهم السيئة.لقد خلقوا نظاما اجتماعيا قويا ومحميا وقادرا على حمايتهم من ضغوط الحياة وكان هذا سر صحتهم الجيدة وسلامتهم من الأمراض القلبية، تذكّر زيارته للبلدة لأول مرة ومنظر العائلات الممتدة بابتساماتهم السعيدة، والمخابز، ووقوف الناس لتحية بعضهم البعض في الطرقات. لقد كان منظرًا ساحرًا.عندما عرض الطبيبان اكتشافهم للمجتمع الطبي واجهوا الكثير من التشكيك، أطالوا الحديث عن أن الدراسات عن الصحة الجيدة تنظر إلى كم ساعة تتمرّن أو ماذا تأكل وكيف تنام، لكن أحدًا لم يلتفت إلى  قوة تأثير “المجتمع” على صحتنا. لقد وضعنا خطًا جديدًا يُدرّس في نطاق الحماية من أمراض القلب المزمنة وأن مجال الدراسة يجب أن يتعدى دراسة نشاطات الفرد ويوجّه لدراسة البيئة المحيطة به ومعرفة مسببات مرضه.لم تمر علي هذه الصفحات مرور الكرام، بل حُفرت في ذهني وقررت نقلها لكم، ليس لأوثق اكتشاف طبي، ولكن لأزيد الوعي بأهمية نوعية الأشخاص الذين تحيط نفسك بهم وبأهمية التدقيق في من نعاشر ومن نسمح له بدخول حياتنا. أعتقد أني سأصبح انتقائية جدًا من هذه الناحية لصحتي النفسية أولاً، ولأعيش حياة هانئة قدر المستطاع، وعلى الصعيد الآخر سأحاول أن أكون ذات أثرٍ جيّد في حياة من أحب وأن أضيف لهم بدل أن أهدم.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد