لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

مما لا يختلف حوله اثنان أن المطبخ المغربي مطبخ غني ومتنوع أبان عن علو كعب على مر التاريخ. الشيء الذي جعله يحتل مكانًا مهمًا بين المطابخ العالمية التي أشاد خبراؤها بالجودة والدقة التي أبانت عنها المغربيات اللواتي أتقن فنّهن وبرعت أناملهن في مزج توابل هندية مع وصفات إسبانية، كما نهلن من المطبخ الأمازيغي وأضفن عليه تحسينات من تجاربهن حسب أصولهن فأصبح الطبخ المغربي مضرب مثل في المزج بين النكهات. لا غبار حول الكسكس والبسطيلة مع الطاجين، كما أن كل أرجاء العالم العربي تقريبًا لا بد أنها سمعت عن الشاي المغربي، لكن المشروبات التقليدية الأخرى نادرًا ما نجد لها مكانًا بين المشروبات، فمنها ما ضاع ومنها ما حافظت عليه الجدّات في ذاكرتهن العتيقة. في هذا المقال سنحاول التعرف على بعض من هذه المشروبات المرطبة المغربية.

الشاي بالنباتات العطرية

الشاي، أو أتاي باللهجة المغربية، المشروب الشعبي الأول في المغرب وأغلب إخوتنا المشارقة يعرفون الشاي بالنعناع فقط، وهو مشروب منعش في فصل الصيف، إلا أنه خلال أيام الشتاء القارسة حين يندر النعناع وما يتواجد منه يكون ضئيل العطر منعدم النكهة فإن العائلات المغربية تلجأ للنباتات العطرية، على رأسها الشيبة المعروفة عند العرب بالشويلاء أو شيح ابن سينا وهي نبتة لونها يميل للاخضرار، ومعروفٌ فوائدها العلاجية منذ القدم.

عند تحضير الشاي فإن الأجزاء العُليا فقط هي التي تصلح بعد وضعها مدة في ماء ساخن حتى يزول مذاقها اللاذع لتضاف في البراد وتعطي نكهتها مع الشاي. الشويلاء هي التي تعوّض النعناع خلال الشتاء لكن هناك من لا يحب مذاقها اللاذع فيعوّضها باللويزة حتى يكون شُرب الشاي له نكهة تدعو للاسترخاء، وهناك من يضيف المرددوش المعروفة عند العرب بالعنقر، مع العطرشة المعروفة بالعطرشية في البلاد العربية، وكذلك السالمية أو المريمية.

هناك البعض ممن يبتاع “التخليطة” أي الأعشاب المختلطة، وهي تتكوّن من بعض هذه الأعشاب وأخرى كالفليو –النعناع البري- أو النعناع الصوفي –المليسة المخزنية- كل هذه نباتات عطرية تضيف نكهة إلى الشاي إضافة لفوائدها العلاجية في فصل تتصلب فيه الأطراف وتبحث عن أي شيء يدفئها. الشاي بأزهار البرتقال يعتبر من المشروبات الربيعية المفضلة كذلك، وفي بعض المناطق الشاي بالزعفران هو أيضًا مستحب، ورغم كل هذا التنوّع لا استغناء عنه في جلسة الشاي التقليدية.

القهوة المُعَطّرة

في المغرب يعوّض الشاي القهوة كمشروبٍ شعبي أول، إلا أن لهذه الحبوب السوداء مكانة في المغرب كذلك. حسب الباحثين في التاريخ المغربي فإن القهوة لم تُلاقي انتشارًا إلا باستقرار بعض العائلات الجزائرية والعثمانية في المغرب خلال القرن التاسع عشر. إذا كان الشاي المشروب الشعبي للمغاربة فإن القهوة أصبحت للمناسبات الرسمية ولبعض الشخصيات. كان تحضير القهوة المغربية يتم في المنزل من شراء الحبوب وتحميصها ثم طحنها وإضافة التوابل المُنَسِّمة من قرنفل وقرفة مع زنجبيل وفلفل أبيض مع راس الحانوت أحيانًا (مجموعة من التوابل المغربية التي تُباع مختلطة وجاهزة عند العطّار).

يمزج الكل مع الماء ويوضع في الإبريق ليمتزج مدة من الزمن تكون فيها رائحة القهوة المعطّرة انتشرت في المنزل. في بعض المدن الحضرية كانت شاي العاشرة مقدسًا عند النساء كما هو الحال مع قهوة الثالثة مساءً بعد انتهاء أشغال المنزل والجلوس للتسامر والرشف من القهوة مع الفقاص على أنغام الموسيقى الأندلسية التي كانت تُذاع في الإذاعة كل يوم بعد الزوال. هناك طريقة أخرى هي تحضير القهوة على الشاكلة التركية وتعطيرها بماء الزهر والقرفة.

حليب اللوز

للوز مكانة خاصة، ليس فقط في تحضير الحلويات بل حتى في المشروبات المرطبة التقليدية. يقشّر اللوز ويُطحن مخلوطًا بمسحوق السكر، ثم يدق في الهاون وينقع في لتر من الماء ثم يخلط بعدها مسحوق السكر مع الحليب ويعطّر بماء الزهر، بعدها تصفّى عقدة اللوز المنقوعة في الماء وتخلط بالحليب. هذه طريقة تقليدية تم الاستغناء عنها مع انتشاء المازجة الكهربائية فأصبحت عقدة اللوز تحضّر وتطحن في الخلاط مع الماء قبل خلطها بالحليب المحلى بالسكر.

الماء المعطّر

قبل أن تنتشر المياه المعدنية والمياه المحلاة وغيرها من المياه المصنّعة، فإن النساء بمطابخهن أوجدن طريقة مبدعة لتعطير المياه، كنّ يأخذن حبات من المصطكة ويضعنها في وسط الجمر الملتهب فيرتفع دخانها العطري، عندها يضعن جرّة مقلوبة على المجمر ويتركنها تتشبّع من عطر المصطكة بضع دقائق، ثم يصب فيها ماء مخفف بماء الزهر يغطى ويترك ليبرد قبل أن يُشرب. نشير هنا أن المغرب من البلدان التي عرفت التقطير منذ زمنٍ سحيق وما زال إلى حدود كتابة هذه الأسطر من النساء من تجد متعة خاصة في تقطير الزهر والورد مع بعض الأعشاب الأخرى لفوائد غذائية أو علاجية.

عصائر تقليدية

عندما لم يكن هناك وجود للخلاط كان صنع العصائر أمر يتطلب دقة ومهارة، كما أنه لم يكن منتشرًا في المغرب إلا بالحواضر العريقة التي استقر فيها أهل الأندلس. هناك عصير الرمان المسحوق مع الليمون الحامض المعطّر بالزهر، كما عرفت النساء عصير العنب المطيب بالقرفة وماء الزهر، إضافةً لعصير البرتقال طبعًا والليمون الحامض، كما كانت هناك عصائر لا تحفظ كمشروب الزريعة المكوّن من الحليب المنسّم بالزهر دائمًا والممزوج بحبوب البطيخ المهروسة وهو مشروب اختصت به نساء فاس، ولم يكن يُشرب إلا عند الخروج من الحمام المغربي.

مشروبات من الصحراء

بعيدًا عن المدن الحضرية، كان المجتمع الحساني أيضًا من محبّي المرطبات والمشروبات لما لها من منافع في مجتمعه الصحراوي، ولعل أشهر المشروبات هو “الزريك” المكوّن من الحليب مع الزبادي المخفوق والمحلى بالسكر، وهو مشروب يقدم للترحاب بالضيف. نجد أيضًا مشروب “المريس” المكوّن من دقيق الشعير والماء المحلى بالسكر، وهو مشروب نافع للعطش.

تختلف المشروبات وتتعدد في المطبخ المغربي حسب الجهات، فكل منطقة لها فواكه تميّزها وطريقة تشتهر بها إلا أن المشروب الوطني الذي لا يُعلى عليه والذي يوحّد الشمال والجنوب يبقى هو الشاي بالنعناع بكل آداب ومراسيم تحضيره.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد