لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

الحياة المادية التي نعيشها الآن، التطوّر الذي وصلنا له وما زلنا نلهث خلفه لنستحوذ على أكبر قدرٍ منه، نهضة المدن وتوقّع سيطرة الذكاء الاصطناعي على البشر في أعوامٍ قادمة، لغة المال والآلة والربح، كل هذه الأشياء وغيرها الكثير تأخذنا دون وعيٍ منّا أو سلطة إلى حدٍ سطحي تتآكل فيه كينونة الإنسان وحيويته، حتى وصلنا إلى “تشيئ الإنسان” بجعله شيء -كآلة- بحيث يرتكز وجوده في الاستفادة منه بتجريده من مشاعره وحصر ما يربطه بالغير في الربحية الناتجة من العلاقة.

في أحد اللقاءات التي استمعت لها على قناة بودكاست عرّف المذيع ضيفته بهذه العبارات “….. منتج سنتعرّف عليه، كيف صُنع وأين وصل؟” مهما كان الغرض المقصود فمن المهين أن يوصف الإنسان بـ”مُنتج” و”كيف صُنع؟!”

أصبحنا مجتمعا يسوده العمل، تطغى فيه مادية الحياة لتسلب أي معنى للإنسان وتجرّده من روحه ومعنى الحياة الذي ينبض فيه، تحصره في تعريفٍ جامدٍ وقاسٍ، “آلة” ليس عليه إلا أن يلهث ويعمل ويكدح خلف المناصب المهنية التي تثقل عليه كاهله ليرتقي ضمن طبقة معينة تأمن له الحياة الباذخة والمظاهر الكاذبة.

هكذا صوّرت الكاتبة والروائية البلجيكية إيميلي قصة حياةٍ مضت، بواقعيةٍ تمثّل نوعًا ما ما نعيشه، غير أنها أبشع وأقسى. في اليابان، الدولة التي نسمع عنها الكثير من القصص التي تعكس لنا نُبل هذا الشعب وعظمته، اليابان صاحب المُثُل العُليا والالتزام والاحترام، إلّا أن قسوة القيود التي تُفرض على المجتمع الياباني جعلته يعيش حياة تفتقد كل معنى حقيقي “للحياة”.

تعرّي إيميلي للقارئ وتكشف لنا حقيقة هذا المجتمع، حياة عايشت فيها الذل والقسوة حتى امتزج بروحها فأصبحت تسخر منه عوضًا عن التذمّر، لأنه لا يسمح لمواطنٍ ياباني بالتذمّر، بالتالي عليها احترام هذه العادة بالالتزام بها كونها في بلدٍ ياباني.

كانت اللهفة تُشعل حماس إيميلي للانتقال إلى اليابان بلد العظمة، والعمل في شركة “يوميموطو” كمترجمة، ولكن السلطة غيّرت مسار الطريق وأقحمت إيميلي في عددٍ من الوظائف التي لها علاقة بكل شيء عدا كونها مترجمة، فمن صخب المدير الذي عبّر عنه اعتراضًا لإتقان إيميلي اللغة اليابانية، لأنه يُعتبر في القاموس الياباني إهانة أن يتحدث أجنبي لغتهم بهذا الإتقان وكأنه ينتمي لهم.

مرّت إيميلي بعدها بكثيرٍ من التجارب التي كانت تُلقيها نهاية اليوم جثة هامدة في انتظار عذاب غدٍ آخر، فسحة الأمل الوحيدة لديها كانت عبر نافذةٍ تطل على اليابان، ترمي عليها جسدها المنهك في استسلامٍ تام للمسافة التي يتهاوى خلالها ثقل التعب، جعلتها اليابان بلا قيمة، عذابات مريرة كانت تمر بها كل دقيقة، ونظرات اشمئزازٍ من رؤسائها تهزأ بها.

تُصوّر لنا إيميلي معاناة المرأة اليابانية التي تُفرَض عليها الأوامر لتُقنّن حياتها في مساحةٍ ضيقة ترضي وجهة نظر الشعب الياباني كون الرجل يعلوها منزلةً ومكانة، كما توجّه إيميلي هجاءها القاسي للمجتمع الياباني كافة، فتذكر لنا انتقاص الياباني من المجتمع الغربي بنظرةٍ عنصرية تتمثّل في الحكم عليه بكونه إنسانا غير متحضر وذا عقلٍ ناقص لا يرتقي للذكاء الياباني.

الشعب الياباني الذي لا يعترف بمبدأ الرفض لرئيسه، وإنما يتجلى كل عمله في طأطأة رأسه لكل أمر، فهو كفردٍ من هذا الشعب العظيم -حسب رؤيتهم لأنفسهم- شعب صبور مكافح لا يعرف العبث ولا اللهو أو تضييع الوقت، فكل دقيقة بل وثانية هي ملك للعمل ويجب استغلالها في صالح الشركة، المجتمع الياباني الذي يجرّد الشخص من عواطفه ومشاعره ليفرض عليه العمل كآلة، -سبق أن رأيت مقطع فيديو يُظهر بعض اليابانيين وهم يفترشون القطارات للنوم بعد إنهاك يومٍ طويل-.

رغم سخرية الأسلوب الذي اعتمدته إيميلي في سرد قصتها إلا أنه مؤلم، لأنه يصف السخرية التي تأتي بعد طول العذاب، بعد أن تنفد كل محاولات الشخص لينجو ولا يبقى أمامه سوى السخرية للتخفيف عن ألمه.

لا أعلم حقيقةً سبب هذه الكراهية التي صوّرتها لنا إيميلي؟ وسبب معاملة اليابانيين لها بهذه الطريقة اللا إنسانية، وما زالت الحقيقة غامضة بالنسبة لي، فلماذا وافقت الشركة اليابانية على توظيف إيميلي رغم عدم حاجتها لمترجمة؟ ورغم كرههم الخفيّ للغرب؟ هل كان سير الأمور متعمدًا ومخططًا له؟ أم للصدفة وجهة نظرٍ أخرى؟ أم وجد الياباني فرصته ليثأر من المجتمع الغربي وكانت إيميلي هي الضحية المناسبة؟

“الحياة هي الشركة” هذه العبارة التي رسخت في ذهني عن اليابان، وكما اختصرتها إيميلي في هذه الرواية.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد