سبعة دروس تعلمتها من معادلة الراتب بين الموظف والمدير

المال والأعمال بيئة العمل بيئة عمل مال

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

من المعتاد عند إجراء المقابلات الشخصية أن تسلك الأسئلة مساراً واحداً: مِن موظف الموارد البشرية إلى المتقدم للوظيفة. ولهذا فوجئت عندما سألني الموظف في نهاية المقابلة: هل لديك أية أسئلة؟!لم أدرِ بما أجيب.. أقصد: لم أدر ماذا أسأل!! ولكني تدراكت الأمر سريعاً وسألت الموظف عن موعد إعلان نتيجة المقابلة الشخصية وعن موعد بدء العمل وبعض الأشياء الأخرى.في الحقيقة، كان يتردد بداخلي سؤالٌ آخر عن الراتب الشهري، ولكني تحرّجت أن أخرجه من بين ضلوعي خاصةً عندما رأيت العديد من المتقدمين ذلك اليوم يعتذرون عن الوظيفة لضآلة الراتب نوعاً ما مقارنةً بالوظائف التي كانوا يعملون بها في السابق.ابتسم الموظف وأجابني عن كل أسئلتي، ثم قال لي: أليس لديك سؤال آخر؟!أحسست من ابتسامته الخبيثة وسؤاله المتكرر أنه أدرك ما يتردد في نفسي، ولكني آثرت ألا أسأل وقلت في نفسي “لكلٍ منا رزق سيصل إليه لا محالة”. ولكن لا يمكن أن أترك سؤال موظف الموارد البشرية يسيح هكذا في الهواء دون أن أوطّن له رداً، فقررت أن أستخدم بعض ذكائي لأسأله عن العرض المقدم من الشركة بصفةٍ عامة. فابتسم الموظف ابتسامة أخبث من سابقتها وقال لي: تقصد الراتب الشهري؟!فهززت رأسي أي نعم!

المدير الجديد

كان يوماً لا يمكن أن أنساه على الإطلاق، فقد فزت أخيراً وبعد عناء شديد وكد استمر سنوات في دروب الأعمال البسيطة بأول وظيفة لي بالقرية الذكية بالقاهرة وكان الراتب مجزياً نوعاً ما. وبعد عدة سنوات، ارتقيت فيها السلم الوظيفي حتى وصلت إلى مكان جيد داخل أحد أهم الأقسام بالشركة. وفي يومٍ من الأيام وبدون سابق إنذار أخبرونا أن مديرنا المباشر قد استقال من الشركة بسبب ضآلة راتبه!!كنت أظن أن المدير يتقاضى ما يفوق راتبي بألفين أو ثلاثة أو ربما أربعة قبل أن يصعقني خبر يقين بأن راتب المدير “الضئيل” والذي كان سبباً في استقالته يتعدى عشرة أضعاف راتبي الشهري أنا وزملائي بالقسم. وصُعقت كذلك عندما أتوا بمديرٍ آخر ليمنحوه ضعف راتب المدير السابق، ليفوق بذلك عشرين ضعف راتبي “المجزي” في ذلك الوقت!!كنت ومازلت أتساءل: لماذا يحصل الموظفون الذين يؤدون أصعب الأعمال وأشقها رواتب أقل بكثير من مديريهم الذين لا يكادون يقدمون شيئاً يذكر.. هلا قللنا الفجوة قليلاً؟!.. إلا أني افترضت حسن النية وقلت في نفسي: لا بد أن هذا المدير الجديد لديه من الخبرة والحنكة والعلم والمعرفة ما سيجعله ينقل الشركة إلى مستوى آخر من التقدم والنمو والازدهار. ولكن بعد عامٍ واحد فقط تمكن مديرنا الفذ من تكبيد الشركة خسارة تقدّر بأكثر من مليون جنيه بسبب فكرة واحدة تعهّد بوضعها والبدء في تنفيذها ولكنها لم تكتمل.كنا نظن أن الشركة ستستبدل المدير بآخر، أو على الأقل تقوم بنقله إلى أحد الأقسام الأخرى. ولكن كانت ردة فعل المسئولين بالشركة مغايرة تماماً لكل منطق يمكن أن يخطر ببال عاقل، فقد ترقى المدير إلى منصب أعلى من سابقه ليصبح الرجل الثاني بالشركة!!

وللأمانة، لم يكن مديرنا هذا بالرجل السيئ ولم تكن أفكاره سيئة، ولكن لم تكن تلك الأفكار تتناسب مع المرحلة التي كانت تمر بها الشركة في ذلك الوقت. كما أن رؤيته كانت قاصرة على ما يدور بداخل الشركة فقط دون أن يدرك حجم التطورات والمنافسات التي كانت تحدث خارجها. ربما كان يعيش في أحد أبراج الاتصالات العاجية أو ناطحات السحاب الدولارية.. ربما، ولكنه كان قدرنا المقدور على أية حال.

حوار تخيّلي

كنا نتعجب من تضييق الخناق علينا نحن الموظفين البسطاء خاصةً عند المطالبة بزيادة الرواتب والحوافز أو تطبيق العدالة في توزيع الأرباح أو تفعيل نظام الترقيات. في حين كانت الشركة تبسط يدها لكل من يحمل لقب “مدير”، فيمنحونه سيارة خاصة وموبايل حديث ونسبة عالية من الأرباح السنوية ولا يلقون إلى الموظف الأدنى إلا بالقليل من الفُتات أو بالأحرى: فتات الفتات.وبينما كنا نتناقش يوماً أنا وزملائي حول هذا الأمر داخل مكتبنا الصغير، إذ قام أحد الزملاء من على مكتبه ليتقمّص شخصية المدير، فذهب باتجاه باب المكتب وطرقه ثم دخل علينا نافشاً صدره واضعاً يده في جيبه وهو يقول موجهاً كلماته للمجال الجوي الملامس لأنفه الشامخ في السماء: هل تعتقدون أني أتقاضى السبعين أو الثمانين كما تزعمون؟! إنهم لا يعطونني إلا ستين فقط!! وماذا تفعل ستون ألفاً في هذا الزمان؟ إن لدي أولاداً يدرسون في مدارس دولية، وسيارتي الفارهة وسائقي الآسيوي وفيلتي ذات الطراز الحديث، وزوجتي المهووسة بأمور التسوق والشراء.. ماذا تفعل الستون أو السبعون بالله عليكم؟!

قام أحد الزملاء واقترب من المدير التخيلي ووضع يده على كرشه البارز للأمام وقال له: بالتأكيد سيدي المدير، لا بد أن يلتحق أولادك بكلية المديرين العليا، ولا بد أن يسكنوا حي الرؤوساء، وأن يأكلوا أشهى الأطعمة والمشروبات كي يرثوا عنك كل قرش.. أقصد “هذا الكرش”!

فانفجرنا في الضحك وكدنا نموت عن آخرنا.

المعادلة الثلاثية: الراتب والموظف والمدير

كان الحوار السابق لا يتعدى حد الدعابة والترويح عن النفس، ولكنه كان يحمل الكثير من الحقيقة. فقد انكشفت لنا فيما بعد الكثير من الأمور المتعلقة برواتب الموظفين بمختلف درجاتهم الوظيفية عندما دخل إلى سوق العمل ثلاث شركات كبرى تعمل بمجال خدمة العملاء، وقدمت تلك الشركات عروضاً جيدة برواتب خيالية للموظفين والمديرين الذين يعملون بالشركات المنافسة. فسال لعاب البعض منهم وجرى وراء العرض المميز، ولم تجد شركتنا بُداً من أن تقدم على زيادة الرواتب عامة لتوقف نزيف الكوادر الأفذاذ. عندها توصلت إلى حقيقة مفادها أن هناك معادلة ثلاثية الأطراف لا تخلو منها أي شركة، وهي المحرك الأساسي لسياسة الكثير من الأعمال داخل الشركة: معادلة الراتب والموظف والمدير.بالرغم من أن كلمة معادلة مشتقة من “العدل”، إلا أن معادلتنا تلك لم تكن عادلة على الإطلاق. وعلى أية حال فقد تعلمت منها سبعة دروس أنقلها إليكم لعلها تكون ملهمة أو منقذة للبعض منكم:-

  • الدرس الأول: تدفع الشركات الكبرى للمديرين ذوي الخبرة راتباً كبيراً كي يضعوا لهم السياسة التي ستحدث الفارق والنقلة النوعية التي من شأنها أن تحقق لها الكثير من المكاسب والأرباح.
  • الدرس الثاني: قد يترك الموظف عمله بسبب راتبه، ولكن أكثر من يتركون عملهم -خاصةً في مجال خدمة العملاء- يكون بسبب المديرين وتعنّتهم وعدم اهتمامهم بمن هم دونهم. ولقد عاصرت خلال رحلتي في “بلاد الكول سنتر” عدداً من المديرين الذين لا يُلقون البال إلا لراتبهم الشهري والترقبات التي تنتظرهم ولا يطالبون لمرؤوسيهم بمثل ما يطلبونه لأنفسهم.
  • الدرس الثالث: إذا أردت أن تعمل بإحدى الشركات فاختر العمل لدى الشركة التي لها منافسين كبار في نفس المجال كي تتمكن من الحصول على راتبٍ مناسب. أما الشركات التي ليس لها منافسين أقوياء أو التي تحتكر السوق فقد تبخسك حقك بصورةٍ كبيرة معتمدة على أنه ليس هناك منافس يمكن أن يقارن بها.
  • الدرس الرابع: يجب أن ينظر المديرون والمسئولون إلى الوضع الذي تمر به شركتهم بعين الاعتبار قبل الشروع في أية أعمال أو أفكار جديدة مستحدثة، وكذلك ينبغي النظر إلى السوق الخارجي وما يدور فيه من تطورات مع عدم الاستخفاف بالمنافسين الحاليين أو المحتملين.
  • الدرس الخامس: فليتذكر كل مدير مسئول أنه كان موظفاً بسيطاً في يومٍ من الأيام، وألا يتعالى على من هم دونه في الدرجة الوظيفية. ولا داعي للحديث عن أحد زملائنا من الموظفين البسطاء والذي بعد أن حالفه الحظ وارتقي حتى وصل إلى منصبٍ عالٍ داخل الشركة، صار يسرف وينفق ببذخ شديد ويتعالى على زملائه القدامى ولا يتحدث في المجالس والاجتماعات إلا عن نوع العطر الذى يستخدمه أو السيارة التي يركبها أو ملابسه التي تحمل أسماء لماركات عالمية وثمنها الباهظ الذي كلفته أكثر من راتب الموظف الذي يرأسه.
  • الدرس السادس: تضييق الفارق والفجوة بين الرواتب وتوزرع الأرباح بصورةٍ عادلة يضمن ولاء الموظفين الأكفاء للشركة التي يعملون بها ويحفزهم كذلك للعمل بصورة أفضل.
  • الدرس السابع: وفي النهاية، لكل عامل منا رزق مقدر ونصيب سيقع في يده عاجلاً أو آجلاً. ولكن لا بد أن يُعاد النظر في كل أطراف المعادلة الثلاثية: الراتب والموظف والمدير ليحصل كل ذي حق على حقه.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778