تدفع الحياة الكثير من الأشخاص خاصةً الشباب للسفر بعيداً عن أوطانهم وأحبائهم وذويهم، منهم من يرحل بحثاً عن مستقبل أفضل له ولذويه، ومنهم من يرحل أملاً في العثور على وظيفة تؤمن له دخلاً كافياً لتحقيق أحلامه في وطنه، ومنهم من يسعى لتأسيس حياة جديدة في دولة أخرى تؤمن له مستوى الحياة التي يتطلع إليها، ومنهم من يغادر سعياً وراء العلم، وباختلاف الأسباب ومهما بدت منطقية ومهما كانت نابعة من رغبات داخلية يبقى الرحيل عن الوطن غربة مهما حاول المرء الاندماج مع المجتمع الجديد، ومع ذلك لا تحمل للمسافرين دائماً سلبيات بين طياتها كما اعتدنا ففي الغربة العديد من الإيجابيات والدروس التي يمكن للمرء أن يتعلمها منها.

إيجابيات الغربة

ترتبط الغربة دائماً بالمعاناة والشعور بالوحدة ففي العادة يركز الجميع على سلبياتها متجاهلين ما يمكن للمرء أن يحصلها منها من إيجابيات، ففي الواقع ليست دائماً مؤلمة فإن أمعنا النظر في نصف الكأس الممتلئ بدلاً من الاهتمام فقط بنصف الكأس الفارغ سنجد العديد من الفوائد للغربة، وفيما يلي نوضح لكم بعض من إيجابيات الغربة:

الاستقلالية

الاعتماد على نفسك هو أول الدروس التي ستتعلمها من البقاء لوحدك في مكان بالكاد تعرف فيه قلة من الأشخاص وفي منزل تسكنه بمفردك وحتى إن كنت ستسكن برفقة مجموعة من الزملاء، فستتعلم أن تعتمد على نفسك في خدمة نفسك وتحضير طعامك وغسل ملابسك والاهتمام بكل شؤونك التي إن أهملتها ستقع في الكثير من المشاكل فلن تجد في الغربة شخص يحمل عنك متاعبك كما يحدث في الوطن.

ولعل هذه من أهم الدروس التي يجب على كل مغترب أن يتعلمها، فالاعتماد على الآخرين في إنهاء أبسط المهام المطلوبة منك وإهمال بعض الأشياء من حولك لإيمانك بوجود شخص آخر سيعتني بها من أكثر الأشياء التي ستجعلك إنسان أناني وغير جدير بتحمل أية مسئولية.

الخبرة

ستمنحك الغربة فرصة ذهبية حتى تصبح شخصا حكيما يتمتع بقدر كافي من الحكمة ليعيش حياته بطريقة صحيحة وسعيدة، الخبرة لا يشترط أن تكون في مجال معين فيكفيك أن تغدو خبيراً في ذاتك لتعرف مساوئها ومميزاتها، ولتعرف مواطن الضعف فيك لتقويها ومواطن القوة فيك لتعتمد عليها اكثر.

الخبرة كذلك قد تكون في اكتشاف ما تساويه الكثير من الأشياء في الحياة وما هي قيمتها الحقيقة، وما الذي يستحق أن تبذل مجهوداً وتسعى وراءه ومما الذي لا يستحق منك عناء المحاولة.

ستمتلك أيضاً خبرة في الناس فستتمكن من معرفة من يحبك لذاتك ومن كان مصادقاً لك لمصلحة شخصية، من يتعامل معك ومقصده الخير ومن يتعامل معك ومقصده الشر وهذا الأمر سيترسخ في نفسك يوماً بعد يوم كلما تعاملت مع أصناف مختلفة من البشر.

الصبر

في موطنك يمكنك أن تستعين بصديق لينهي لك معاملة بمكالمة هاتفية، ويمكنك الاستعانة بأحد أقاربك لتنهي أوراق يتطلب استخراجها أسابيع في غضون ساعات، أما في الغربة فعليك أن تتعلم الصبر فالمحسوبيات ربما لن يكون لها قيمة خاصة في الدول الأجنبية.

الصبر كذلك على تحقيق أحلامك فلن تعود لموطنك بعد يومين من رحيلك وانت مليونير، أو وقد تمكنت  من الحصول على أعلى الدرجات العلمية، في الغربة ستتعلم الصبر حتى تتمكن من تحقيق أحلامك وستتعلم الصبر على الصعاب والمشقات حتى تمضي، وستتعلم الصبر على مفارقة الأحباء.

المعرفة

لا يمكنك أن تسافر للخارج لأي دولة عربية كانت أو أجنبية وتعود كما دخلت إليها، فهناك الكثير مما يمكن تعلمه في مكان ولعل هذه من أهم مكاسب الغربة فهناك ستتمكن من مقابلة الكثير من الأشخاص من مختلف الجنسيات والثقافات وإن تمكنت من تعمل شيء واحد من كل منهم فقد فزت بمئات المعارف والمعلومات.

أيضاً اهم معرفة يمكنك أن تكتسبها من الغربة هي تعلم لغة جديدة خاصة اللغة الإنجليزية فهي واحدة من أهم اللغات العالمية التي ستضيف لك الكثير إن تعلمتها، أما من سافر في المقام الأول بغرض الدراسة فسيعود بما لا يقدر بثمن من العلوم والمعارف.[1]

سلبيات الغربة

الغربة سلاح ذو حدين بغض النظر عن مكاسبها تظل هناك دائماً خسائر لا يمكن غض الطرف عنها، ومن السلبيات المرتبطة بالغربة:

الحنين

الشعور بالحنين لموطنك للحدائق التي اعتدت التنزه بها وللأماكن التي اعتدت زيارتها، الشعور بالحنين الدائم لوالديك وأخوتك وتمنيك بقضاء المناسبات والاحتفالات الهامة معهم، الحنين لأصدقائك وجلساتهم، الشعور بالحنين سيلازمك دائماً في الغربة.

لكن يمكن التغلب على هذا الشعور بفضل التكنولوجيا الحديثة فاليوم يمكنك البقاء على تواصل دائم مع أفراد أسرتك من خلال المكالمات المدعومة بالصوت والصورة عبر شبكات الإنترنت التي ستمكنك من مشاركتهم تفاصيل يومك وتفاصيل يومهم.

الوحدة

ترتبط الوحدة بالشعور الحنين إلى حد كبير، فوجودك في مكان لا تعرفه فيه كثير من الأشخاص مع اضطرارك للسكن بمفردك سيولد لديك شعوراً دائماً بالوحدة والحزن.

لكن يمكن التغلب على هذه المشكلة من خلال سعيك لتكوين صداقات جديدة والتعرف على الكثير من الأشخاص، ممن  يمكنك الاعتماد عليهم واللجوء لهم عند الحاجة إليهم كي لا تشعر بانك وحيد.

الطعام

يمثل الطعام عائق بالنسبة للكثير من الأشخاص ممن يسافرون للخارج خاصة في حال السفر لأي من الدول الأوروبية أو الأجنبية بشكل عام، فالعثور على طعام حلال سيكون من الأمور الشاقة والمكلفة في بعض الأحيان، كذلك فستضطر للإنفاق كثيراً على الطعام فلن تجد الوقت في معظم الأيام لتحضير طعامك بنفسك في المنزل.

الفساد

ربما يبدو الأمر غريب بعض الشيء لكن صدق أو لا صدق الغربة ربما تكون عامل يتسبب في فساد أخلاقك واضمحلال تفكيرك، فكما يوجد السيئ والجيد في موطنك يوجد في البلاد الأخرى وإن اخترت مرافقة السيئين إذاً لا تتعجب إن فسدت أخلاقك وساءت أحوالك.

لذا فتكوين الصداقات أمر مهم للغاية للتغلب على الوحدة، لكن الأمر الأهم منه هو الانتباه لمن تختار مرافقتهم.

السلامة

في موطنك انت خبير بكل خفاياه تعرف أين تكمن بقع الخطر فتبتعد عنها، وتعرف ما لا يجب عليك فعله حتى لا تقع تحت طائلة القانون، أما في الغربة فالأمر مختلف تماماً فيمكن أن تعرض نفسك للخطر لقلة خبرتك ويمكن أن تقع فريسة للصوص، لذا من الضروري أن تتعرف قبل سفرك وحتى بعد سفرك على قوانين الدولة وما لا يجب عليك فعله، بالإضافة للتعرف على الأماكن والأشخاص ممن يجب عليك البقاء بعيداً عنهم.

الغربة سلاح ذو حدين لها مميزات ولها إيجابيات لكنها تظل في معظم الأحيان قاسية، ليس على الشخص الذي غادر فحسب فما يعانيه من شوق وحنين لوطنه وأحبائه يعانوه هم أيضاً، لكن الحياة في بعض الأحيان لا تعطي بديل آخر عن الغربة لذا من واجب الأهل والأصدقاء في هذه الحالة أن يشجعوا هذا الشخص ويعينوه على تحمل مشقات الغربة، وأن يداوموا التواصل معه حتى يشعر أن في هذا العالم من يهتم لأمره حتى وإن باعدت بينهم آلاف الكيلومترات فهذا من شأنه أن يحفزه حتى يكمل لنهاية الطريق ويعود لهم منتصراً بتحقيق أحلامه.