لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

لقد تخرجت! وكم كان الشعور رائع وبشكل لا يُصدّق،وكم أود اختزال هذا الشعور لاُبقيهِ صافيًا ونظيفًا من شوائب التعوّد أو فقد الشغف بالحياة ،لا أريد فقد الشعور بهذ الشعور الرائع … لنتفق على شيء يا أصدقاء.. لن يشعر أحد بقيمة الإنجاز الذي ننجزه، حتى وإن رأونا نتعب، لن يشعروا بالتعب، لن يشعروا بالتخبّط الذي نحسّه به آلاف المرات، ولا الحيرة والتردد من اتخاذ القرارات لنصل إلى الإنجاز المنشود.

هذا ما شعرته .. الناس يرون كل شيء من جانب مختلف جانب سطحي وبعيد عن عمق التجربة التي خُضناها ، ثم نطالبهم بالاحساس بنتائج تجاربنا وتعبنا.

المهم أنني أحسستُ بالحرية ..فقد واجهتُ العديد من الصعاب أثناء دراستي .. و الآن بعد عدة أشهر من التخرج (خمسة أشهر تقريبًا ) ،كل يوم استقيظ في الصباح لأعِد الإفطار لإخوتي ،وأشعر بالعطف تجاههم ،وأشعر أنني لو أود أن اُخفف عنهم أي صعوبة يواجهونها في يومهم ، الصعوبات التي ربما لا أعرفها و لا زشعر بها ،وأدعو ربي أن يسخرلهم من يساعدهم في مدارسهم .

كانت صباحات الجامعة مختلفة كل سنة عن غيرها ولكن آخر سنة كانت مختلفة، كان هناك ما يصبّرني ويُعييني، بالطبع كانت هناك صباحات رائعة وهادئة تملؤها الثقة بالطريق والنفس، صباح أحمل فيه الإنجاز، أحمل بداخلي أوراق مذاكرتي وأشعر بالفخر عندما أشاهدها وأنه يظهر أنني مجتهدة، صباح أصحو بسلام وخفة وكل شيء يعجبني، كل الملابس رائعة كل الأرواج جميلة وشعري وبشرتي أراهم في غاية الجمال، أكون راضية وبدون أسباب عظيمة، وزردد أذكاري وأفطر إفطارا صحيا، وأركز في محاضراتي وأبتسم لجميع الطالبات والموظفين في كليتي.

وعلى النقيص كانت هناك صباحات لا تشبه الصباح بشيء .. صباحات تعيسة وثقيلة..كم كانت بعض الصباحات شاقة حين زتذكرها الآن وأعلم أنها كانت شاقة بما فيه الكفاية وقتها. الآن شيء بداخلي زالَ واختفى.. صباح أشعر بالاكتئاب لا قدرة لي على القيام و التجهيز، ورغما عن كل شيء كنت أقول “سيمضي يا نفسي هذا الصباح بعد فترة” وكأني بهذهِ الجُملة اختزل الشعور لأُذكّر نفسي أنه مضى وها أنا الآن أقول “أرأيتِ يا نفسي؟هذا الشعور الذي بداخلك الآن قد مضى منذ فترة” …

أقوم وألبس في هذا الصباح الكئيب المشرق بالشمس والمعتِم بداخلي، ألبس اللبس الذي يُظهرني سعيدة وأضع الميكاج الذي يُساعدني على ثبات ملامحي خوفًا من إظهار الكآبة دون قصد في لحظة ضعف وشتات ،ولن يتوقع من يراني اليوم أنني اليوم باهتة ،سأمُر من عيونهم ويضعون فوق رأسي علامة صح ، وينتقلون لاكتشاف ملامح باهتة وأكثر مأساوية ..كم أكره الناس عندما أكون أنا الوحيدة المُكتئبة !

صباح لا أُريد التحدث، ولا الاستماع ولا النظر بأعين أحد والتركيز على ما يُقال ،أريد الصمت،أريد الهدوء والعزلة ،أُريد فهم نفسي قبل فهم محاضرات اليوم ،ولن يفهم أحد ذلك ،الكل يريدك الآن حاضر الآن فاهم و أن تشرح وجهك نظرك في موضوع ليس أهم من موضوعك ..صباح أشعر بالوحدة لأنه ما من صديق سيفهم آلامي ووحدتي واستسلامي في هذا الصباح ، امشي وبداخلي بُحيرة بُكاء وأظل طوال اليوم أغرق في شرب الماء و القهوة و العصائر لكيلا تظهر بحيرة البكاء بداخلي فأغرق فيها بشكلٍ حقيقي ..

صباح أحسستُ بالخوف من أشياء تُروّعني، كل الأشياء المُخيفة تجمعت هذا الصباح وتريد مني الشعور والاهتمام بها، فأذهب لأمشي في ممشى الجامعة بسرعة وكأني أُحاول أن أُسابق خوفي وأطردهُ من داخلي … لكنه لم يذهب. قضيت صباحات شاقة ،لا يوجد فيها ضوء غير الشمس، أشعر بالبرد من مشاعري السلبية المكبوتة من كل مكان، فأجلس تحت الشمس علّها تذوب وتختفي.

صباح أصحو غير مُستعدة للحياة، أقول لها تأخري أنا لا أريد القيام بكل هذا مُجددًا، لكن يمر اليوم دون خوف دون وحدة وأهم شيء دون بُحيرة بُكاء وهذا اليوم العادي أظل احتفل به بداخلي وأعتبره إنجازا وهبة من الله. كل تلك الصباحات موجودة الآن بداخلي وزعيش كل صباح بكل شعور اختزلتهُ في كل صباحاتي اليوم، وكأنها تثأر مني لأني تجاهلتها، لأني اعتقدتُ أنني أقوى منها وغلبتها . ولكنها علّمت بداخلي أشياء صعبة أن تزول صعبة أن تُفهم وتُشرح.

تعلمت كثيرا من صباحات الجامعة .. تعلمت أن الأيام ليست كلها ستكون بدايتها رائعة ومبهجة ،وأنني أستطيع القيام مجددا حتى وإن شعرت بالانهيار العظيم في الليل، تعلمت كيف أتولى أموري وحيدة في حين كنت أرى الصديقات يساعدن بعضهن، ساعدت نفسي ووقفت على قدمي، أستطيع أن أقول الكلام الذي أريد سماعه من غيري أن أقوله لنفسي وأن أتحكم بمشاعري وانفعالاتي.

تعلمت ألا أخلط بين دراستي وتعبي وحزني، وأن أركز على هدفي العظيم وهو دخول تخصص أحبه وأريده والخروج منه بمعدل عالِ مع مرتبة الشرف الأولى وها أنا حققته ..  شكرًا للجامعة لأنها علّمتني لأنها جعلتني أجد نفسي وأحب نفسي وأركز على ما أريد مهما كانت ظروفي وحياتي.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد