لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

من الملاحظ أن الخيال والعواطف لهما رابطة وثيقة معًا، وأن لا شيء يؤثر في الأول يمكن أن يكون محايدًا تجاه الثانية، وكلما اكتسبت أفكارنا عن الخير أو الشر حيوية جديدة فإن العواطف تصبح أشد عنفًا وتماشى الخيال خطوة خطوة في كل تقلباته . وما إذا كان هذا ينبعث من المبدأ المذكور آنفًا، أي أن أي انفعال مصاحب يتحول بسهولةٍ إلى العاطفة الغالبة، فإنني لا أستطيع أن أبت بذلك. إنه كافٍ بالنسبة لغرضي الحالي أن لدينا أمثلة كثيرة تثبت هذا التأثير الذي يمارسه الخيال على العواطف.

إن أية مسرةٍ نعرفها، تؤثر فينا أكثر من أية مسرةٍ أخرى نعترف أنها أرفع، لكنها من طبيعةٍ نجهلها كليًا. فمن الأولى يمكننا أن نشكّل فكرة خاصة ومحددة، فيما الأخرى نفهمها طبقاً للفكرة العامة عن المسرة، ومن المؤكد أنه كلما كانت أفكارنا أكثر عمومية وشمولًا قل تأثيرها على الخيال، فالفكرة العامة رغم أنها ليست إلا فكرة خاصة تقدم بواسطتها فكرة عامة، تكون دائمًا ثابتة أو محددة لكن يمكن بسهولة أن تتبدل إلى أفكار خاصة أخرى، تفيد أيضًا في التقديم.

ثمة فقرة ملحوظة في تاريخ الإغريق يمكن أن تخدمنا في غرضنا الحالي، لقد أخبر “تيميستوكل الأثينين” أنه وضع خطة ستكون مفيدة جدًا للجمهور، لكن من المستحيل بالنسبة له أن يوصلها إليهم دون الحنث بالعهد، نظرًا لأن نجاحها يتوقف كليًا على السرية التي يتم التعامل بها، والأثينيون، بدلًا من منحه كامل السلطة للتصرف كما يراه مناسبًا، أمروه بأن ينقل خطته إلى أريستيد، الذي كانوا يثقون بحكمته ثقة كاملة والذي كانوا قد صمموا تصميمًا أعمى على اتباع رأيه.

خطة تيميستوكل كانت أن يشعل النار سرًا بأسطول كل الولايات الإغريقية التي تُجمع في مرفأ مجاور والذي ما إن يدمر مرة، حتى يحقق الإثينيون السيادة على البحر دون منازع. أريستيد عاد إلى الجمع ثم أخبرهم أن لا شيء يمكن أن يكون أشد خطورة من خطة تيميستوكل، لكن في الوقت نفسه لا شيء يمكن أن يكون أكثر ظلمًا؛ بناءً على ذلك، رفض الجمهور المشروع بالإجماع.

يعجب أحد المؤرخين المشهورين بهذه الفقرة من التاريخ القديم كل الإعجاب، باعتبارها الفقرة الأشد تفردًا التي يمكن للمرء أن يواجهها. هنا، كما يقول، ليس الفلاسفة فقط الذين يسهل عليهم في مدارسهم أن يؤسسوا أحسن القواعد وأرفع مبادئ الأخلاق التي باتت بأنه لا يجوز للمصلحة بتاتًا أن تطغى على العدالة، بل إن الناس كلهم كانوا مهتمين بالاقتراح الذي قدم لهم والذي يعتبرونه ذا أهمية بالغة للصالح العام.

مع ذلك يرفضونه بالإجماع المطلق وبدون تردد، فقط لأنه مناقض للعدالة. من جهتي، أنا لا أرى شيئًا خارقًا للعادة على هذا النحو في تصرف الإثينين هذا، والأسباب نفسها التي تجعل من السهل جدًا على الفلاسفة أن يؤسسوا هذه المثل الرفيعة، تميل جزئيًا لأن تنقص من قيمة سلوك كهذا لدى الناس. فالفلاسفة لا يوازنون بين المنفعة والشرف لأن قراراتهم عامة، بينما لا تكون عواطفهم ولا خيالاتهم مهتمة بالأشياء، ورغم أن الفائدة، في المثال الراهن، كانت مباشرةً بالنسبة للأثينين، مع ذلك وبما أنها معروفة فقط بحسب الفكرة العامة للفائدة، دون أن تلحق بها أية فكرةٍ خاصة، كان لا بد أن يكون لها تأثير أقل بكثيرٍ على خيالاتهم وكانت ذات إغراء أقل مما لو كانوا قد تعرفوا إليها بكل شروطها؛ وإلا من الصعب أن نفهم كيف لكل الناس، الظالمين والعنيفين، كما هم الناس عمومًا، أن يتمسكوا بشدة، وبالإجماع التام، بالعدالة ويرفضوا أية منفعة ذات شأن.

إن أي رضًا ذاتي عشناه مؤخرًا، وذكراه ما تزال طازجة وحديثة، يعمل على الإرادة بشدةٍ أقوى من رضًا ذاتي آخر قدم عهده وبليت آثاره إلى حد الأمحاء تقريبًا. ترى من أن ينبثق هذا إلا من أن الذاكرة تساعد الخيال في الحالة الأولى وتمنح مفاهيمه قوة وشد إضافية؟ فصوّرت مسرة سابقة، لكونها قوية وعنيفة، تضفي هذه الصفات على فكرة المسرة العامة التي ترتبط بها بعلاقة التشابه.

والمسرة التي تكون مناسبة لأسلوب الحياة التي ننهمك فيها، تستثير رغباتنا وشهواتنا أكثر من مسرة غريبة على ذلك الأسلوب. هذه الظاهرة يمكن شرحها انطلاقًا من المبدأ نفسه ولا شيء أقدر على صهر أية عاطفة في الذهن من الفصاحة التي تقدم بواسطتها الأشياء بأقوى وأزهى الألوان، ومن الممكن أن نعترف من تلقاء أنفسنا أن شيئًا كهذا ذو قيمة وآخر بغيض، لكن إلى أن يستثير خطيب ما الخيال ويعطي دفعًا لتلك الأفكار فإنها قد لا يكون لها إلا تأثير واه على الإرادة أو المشاعر.

لكن الفصاحة ليست دائمًا ضرورية، بل إن الرأي المجرد لشخصٍ آخر خاصةً حين يقدّم بشيءٍ من عاطفة، سيبتعث فكرة عن الخير أو الشر تكون ذات تأثير علينا، بينما، في الحالة الأخرى، تهمل كليًا. هذا ينبعث من المبدأ الخاص بالتعاطف أو التواصل، والتعاطف، كما ذكرنا سابقًا، ليس إلا قلب فكرة إلى انطباع بقوة الخيال.

من الملاحظ أن العواطف الحية تصاحب دائمًا الخيال الحي. في هذا المجال، وكذلك المجالات الأخرى، تتوقف قوة العاطفة على مزاج الشخص إلى حدٍ كبير وكذلك على طبيعة الموضوع ووضعه.

فالاعتقاد ليس إلا فكرة حية ذات صلة بانطباع راهن هذه الحيوية شرط مطلوب لاستثارة كل عواطفنا، الهادئة منها والعنيفة. وليس لتخيل الخيال فقط أي تأثير ذي شأن على أن منهما. إذ يكون أوهى بكثير من أن يمسك أية إمساكةٍ بالذهن أو يكون مصحوبًا بانفعال.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد