تُعتبر الأسرة هي اللبنة الأولى التي تساهم في بناء المجتمع ؛ حيث أن ترابط الأسرة من عدمه يؤثر على بناء الإنسان ، ومن ثَم يتأثر المجتمع الخارجي الذي هو في الأصل عبارة عن بشر قد خرجوا من الأسر ليتفاعلوا فيما بينهم ، ولذلك فإن الدين الإسلامي الحنيف قد اهتم بتكوين الأسرة ونشأتها وتهذيبها وتوثيق الروابط والعلاقات بين أفرادها.

مظاهر عناية الاسلام بالاسرة

لقد منح الإسلام اهتمامًا خاصًا ببناء الأسرة ؛ حيث جعل الزواج رباطًا مقدس يسري وفق قواعد وشروط تعمل على الاحترام والود المتبادل بين الطرفين ، وقد قال الله تعالى في ذلك “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” ، ومن جوانب اهتمام الإسلام بالأسرة ما يلي :

أقر الإسلام حقوقًا وواجبات توضح طبيعة العلاقة بين الزوجين في إطار من الرحمة والمحبة ؛ حتى عند الإنفصال إن لم تنجح العلاقة بين الطرفين ؛ فإن الله تعالى أمر بالمعروف سواءًا في إتمام العلاقة الزوجية أو عدم القدرة على الاستمرار فيها نتيجة لبعض الأمور الخلافية ، وقد قال الله تعالى “فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، وبذلك يعطي الله تعالى الفرصة للطرفين للحفاظ على كيان الأسرة أو الابتعاد بالمعروف مع ضمان جميع الحقوق عند الطلاق

اهتم الإسلام برعاية الأبناء الذين تكتمل بهم أركان الاسرة ، ليكونوا أعمدة المجتمع في المستقبل ، وقد أمر الإسلام بحسن تربية الأبناء ورعايتهم ، ومن مظاهر صور التربية الصحيحة التي ظهرت في آيات القرآن الكريم قوله تعالى “وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ” ؛ حيث يوضح الله تعالى من خلال قصة لقمان عليه السلام مع ابنه كيفية التعامل مع الأبناء وتوجيههم إلى الطريق المستقيم بأفضل الأساليب التي تتميز بالرفق والمودة ، ومن الضروري عدم التأثير عليهم سلبًا بافتعال الخلافات الزوجية أمامهم

شدّد الإسلام كذلك على ضرورة طاعة الوالدين والبر بهما كي تظل الأسرة قائمة دون انهيار ؛ حيث يقول الله تعالى ” وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا”.

قيمة الاسرة في الاسلام

إن الأسرة بالنسبة للإسلام هي النواة الرئيسية التي يخرج منها المجتمع كله ، ولذلك فإن قيامها على الأسس والمبادئ الدينية والأخلاقية هي أهم ما يسعى الإسلام دائمًا لتحقيقه ، وقد قال الله تعالى “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ” ؛ حيث يوضح الله تعالى كيفية بناء الأسرة التي تكون أممًا مختلفة ، ومما قاله الرسول صلّ الله عليه وسلم عن ضرورة الاهتمام بالأسرة “خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي”.

حقوق الاسرة في الاسلام

لقد منح الإسلام العديد من الحقوق لجميع أفراد الاسرة ؛ فمنذ البداية وضع حقوقًا وواجبات لكلا الزوجين ؛ حيث أمر الله تعالى بضرورة قيام العلاقة الزوجية على أساس من المودة والرحمة ؛ فأمر الزوج بالرفق مع زوجته كما أمر الزوجة بطاعة زوجها ، وحدد الحقوق المادية المشروعة في الزواج وحتى إذا حدث الطلاق ، وقد الرسول صلّ الله عليه وسلم “فاتقوا اللهَ في النِّساءِ ؛ فإنكم أخذتموهن بأمانِ اللهِ ، واستحللتُم فروجهنَّ بكلمةِ اللهِ”.

وقد وضع الإسلام كذلك حقوقًا واجبة من الآباء على الأبناء والعكس ؛ حيث أمر الله تعالى بضرورة الاهتمام بالأبناء وحُسن تربيتهم والاعتناء بهم في كافة شؤون حياتهم حتى في اختيار أسمائهم التي يجب أن تتوافق مع العصر الذي يولدون فيه ؛ حيث يقول الرسول صلّ الله عليه وسلم “من حق الولد على والده أن يعلمه الكتابة ، وأن يحسن اسمه ، وأن يزوجه إذا بلغ” ، كما فرض على الأبناء ضرورة احترام الآباء والبر بهم في كل الأوقات والحالات ، ومما ورد في ذلك قوله تعالى “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا”.

انماط الاسرة في الاسلام

يحدد الإسلام مبادئ قيام الأسرة السليمة ؛ فلا يمكن أن يكون هناك أنماط مختلفة تدعو إلى التحرر أو إلى كثرة السلبيات التي تؤثر على الأبناء ، والنمط الأساسي الذي يجب أن يوجد في كل أسرة مسلمة هو التعامل بين الجميع في إطار ديني يتبع حسن الخلق ، ومن الضروري إقامة تعاليم الله وشرائعه وفروضه ، وبذلك تكون الأسرة ذات عمود صلب لا يمكن له أن ينكسر ، وقد أمر الله تعالى بضرورة الحرص على الفوز بالجنة والابتعاد عن العذاب والاهتمام بالأهل فيما يختص بذلك ؛ حيث يقول الله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ”.