لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

منذ أن عطرت ثراها أقدام أبي الأنبياء وهي مقصد الجميع وقبلة وملتقى الجميع من كل أرجاء الأرض، منها تنطلق رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وفي رحابها تُلقي القوافل العابرة والقادمة، أو الذاهبة لكل أرجاء العالم المعمور رحالها تبيع وتشتري وتحكي.فلما انطلقت من رحابها بعثة خاتم الرسل والأنبياء، أصبحت قبلة الأرض، إليها تهفو قلوب الملايين المنتشرين في كل مكان من العالم، وإليها ترنو أبصارهم وأرواحهم وأحلامهم وآمالهم، ويشد الرحال إليها العلماء من كل جنس ولون، ينقلون إليها معارفهم وينقلون منها معارف إخوانهم في مهرجان دائم ومتجدد ومتواصل للثقافة والمعرفة.فخصوصية المكان جعلتها وتجعلها إلى أن يشاء الله قبلة الجميع في الحاضر والمستقبل. وليس هناك في الماضي عالِم لم يجاور في البيت عامًا أو عامين أو أقل أو أكثر أو يقضي خاتمة عمره إلى جانب البيت العتيق. والغادون والرائحون لم يكونوا مجرد عابرين يملأون آنيتهم من ماء زمزم المبارك .. وإنما كانوا قُصادًا للمكان الطاهر يأملون أن ينالوا رضى الله بمجاورته .. ينقلون إليه ما يعرفونه وينقلون منه ما يجهلونه.هذه الظاهرة جعلت من مكة مكانًا متفردًا ليس له مثيل في العالم كله فليس في العالم قديمه وحديثه مدينة يقصدها عشرات الملايين من كل جنس ولون ومكان، وليس هناك في العالم قديمه وحديثه مدينة كتب تاريخها خالق الكون والإنسان، فتاريخها موثّق منذ أن أقام إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت -وهو توثيق متواتر ومتصل- ذلك أن علماء المسلمين من الشرق والغرب مروا من هناك، أو أقاموا هناك وكتبوا وسجلوا.

أول عاصمة إسلامية للثقافة

مكة المكرمة هي أم القرى بكل المقاييس، وإذا كانت المنظمة الإسلامية للثقافة والتربية والعلوم قد اختارتها كأول مدينة إسلامية عاصمة للثقافة، فذلك إنما يأتي من قبيل تقرير الواقع، فبجوار البيت العتيق التقى منذ القدم العلماء من كل مكان، تبادلوا الفكر والرأي .. قدموا نظرياتهم وأخذوا نظريات غيرهم، والقادمون من كل مكان إنما هم جزء من ثقافته .. لغته .. عاداته وتقاليده .. وأفكاره .. نظام حياته .. علومه وآدابه .. كل ذلك يأتي في رحال القادمين من كل مكان وهم يلتقون بإخوانهم القادمين من مختلف الأمكنة لقاء حب ولقاء أخوة ولقاء أشقاء في عقيدة واحدة .. جاءوا يقيمون شعائر واحدة .. فالقلوب والحالة كذلك مفتوحة، والعقول مفتوحة، والتبادل مطلوب ومرغوب ومحبوب.من هنا فإن أثر مكة المكرمة في الحياة العقلية للأمم كبير وملموس، فليس هناك من علماء المسلمين من لم يتأثر بالحركة الثقافية في مكة المكرمة ثم هو بعد ذلك متأثر ومؤثر، والحديث عن مكة المكرمة حديث يطول نظرًا لهذه الخصوصية وارتباطها بالحركة الثقافية الإسلامية ليس مقصورًا على علوم الدين فقط، وإنما ارتباطها بالحركة العلمية والثقافية العالمية كبير وعميق، فليس كل القادمين من المسلمين من علماء الدين وإنما منهم العلماء في كل فروع العلم، والمثقفين في كل أركان الثقافة.وحق لمكة، البلد الحرام، مهبط الوحي، أن تكون عاصمة للثقافة الإسلامية، فقد كرّست المملكة العربية السعودية جهود المؤسسات العلمية والفكرية، أن تنهض بهذه المهمة من جميع الجوانب الخاصة بالبلد الحرام، عبر تاريخه الطويل الحافل، وإنه لتاريخ خليق بالوقوف والتأمل، فقد شهد الكثير مما مر به، منذ أن حط فيه نبي الله إبراهيم عليه السلام رحاله، ليترك هاجر وإسماعيل بجوار البيت، الذي لم يبق منه إلا قواعده ومعالمه، في بلد غير ذي زرع.وعندما هم بالرحيل تاركاً زوجه وطفلها، سألته، وهي وجلة على إسماعيل وعلى نفسها، إذ لا زاد يكفي في الوحدة، ولا ماء في البلد، وهو الذي خلق منه الحق كل شيء حي، سألت الأم المشفقة: آلله أمرك بهذا ؟ – فقال: نعم، فردت المرأة الموقنة برعاية الله لهما ولكل من وما خلق، فقالت الزوج التي لم يظهر أمامها شيء مما جال في خاطر الأم الرؤوم من غوائل الأيام، أجابت في ثقة المطمئن: إذن فإنه لا يضيّعنا.عبر الأحقاب التي مرت على الدنيا بعامة، وعلى بكة ومكة بخاصة، تاريخ طويل رصدته المراجع، خاصةً الكتاب العزيز، السنة النبوية المطهرة، وكذلك كتّاب السير والمؤرخون بما جرى فيه من أحداث وأقاويل وأمم سكنت البلد، الذي دعا إبراهيم ربه أن يظل آمنًا من كل الغوائل وما يخيف جيرة البيت الحرام، وكان كذلك، حتى العرب في جاهليتها، كانت تعظم هذا البلد، وكان لا يعتدي بعضها على بعض في الأشهر الحرم، والرجل يرى، قاتل أبيه وأخيه في حمى البيت والأشهر الحرم فلا يمسه.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد