هكذا يتخبط الجيل الناشئ في ظظل غياب القدوة 

لتجربة قراءة أفضل تفضل بزيارة المقالة على زد

إن هذا الجيل هو أقل الأجيال حظاً رغم كل التقدم الذي يغرقون فيه، وهم أفقر الأجيال روحاً رغم كل مظاهر الغنى التي تكبل طاقاتهم والتي لم يمتلكها ملوك الأزمان الماضية. نعم فهم يعانون من الآثار المدمرة للحضارة والتقدم الذي نسعد به جميعا، فنحن في زمن انفتاح فكري وثقافي، وانغلاق تربوي وأخلاقي فالأطفال والمراهقون يستوعبون ويتعاملون مع أهم التقنيات الحديثة ولديهم قدرات هائلة على مواكبتها، وفي نفس الوقت يعدمون القدرة على التفكير العميق والإيجابي في أبسط الأشياء مثل تطوير أنفسهم اجتماعيا أو محاولة التفكير في وجهة نظر مغايرة، وفي ظل هذه الفوضى الانفتاحية العارمة، جاءتهم الضربة القاصمة وهي غياب القدوة تماما، والإعلام هو المسؤول الأكبر عن هذا. لا نستطيع أن ننكر دور الإعلام في حياتنا وتأثيره الطاغي علينا وعلى أفكارنا وهو يعلم هذا جيدا وفي المقابل ماذا قدم لنا؟

نماذج فارغة من الداخل باهرة من الخارج، لها بريق يزيغ الأبصار و يهوي بالعقول إلى حفرة سحيقة من الفراغ ويُضيٍعُ العقل في دروب مظلمة لا يكاد يميزبها بين النور والنار، ووضعها في الصدارة لتكون نجوماً تسطع في خيالات أبنائنا وتصبح القدوة والهدف الذي يحلمون بأن يكونوا مثله وفي المقابل غيب الإعلام الأعمى قدواتنا.

أين عظماؤنا ؟ لماذا لا نراهم على الشاشات في برامج تخاطب عقول الأطفال وتحاكي واقعهم المبهر؟ ! حتى لو تم إنتاج مثل هذه البرامج فهي موجهة للكبار وبشكل يفتقر للجاذبية أو للأفكار الإبداعية ولذا أرى أننا في أمس الحاجة لبرامج تزرع في نفوس أطفالنا الثقة والأخلاق وتنبذ كل ما هو شاذ وغريب عن ثقافتنا. لماذا إذا تحدثنا عن الشجاعة يقفز إلى أذهان أبنائنا صورة بطل وهمي غير موجود أصلا؟! بطل نسج الغرب حوله حكايات البطولة، ليسدوا بها فراغ واقعهم.

بينما أجدادنا سطعوا في سماء الواقع كأساطير من لحم ودم تروي قصصهم المستحيل الذي طُوِع بين أيديهم .لماذا اقترنت الشجاعة بسبايدرمان والبطولة بباتمان وغيرهم، بينما جدنا عمر بن الخطاب الذي عجزت النساء أن تلدن مثله ؟! أين علي بن أبي طالب وقصة شجاعته عندما كان طفلاً؟ وغيرهم الكثير ممن نعجز عن وصف بطولاتهم،هذا غير سلوكياتهم التي غاب عنها توقير الكبير والرفق بالصغير والبر والشجاعة، فكل تلك الصفات لا تواكب الموضة، التي يطلقها الممثل الفلاني أو المغني الفلاني، غير نجوم الفرق من أصحاب الأشكال الغريبة والتي يلهث خلفهم الإعلام ليمجد فنهم الفارغ فيتحولوا لأحلام، يسعى كل هذا الجيل ليصبح مثلهم وكأنهم فاتحين عظماء.

لماذا إذا فكرت فتياتنا في المستقبل تغيب عن عقولهن شمس خديجة وعائشة ليسطع في أعينهن شرار جمرات الفن والموضة والأزياء، مثل نانسي عجرم وهيفاء وهبي وبيونسيه وغيرهن ممن شوهن معنى الجمال ليقتصر على الشفاه المنتفخة والوجنات المحقونة والقوام المنحوت وفي خضم كل هذا التشوه الذي يرتدي قناع الجمال، توارى الحياء بعدما سموه قلة ثقة بالنفس واحتجب العقل بعدما سُمي تعقيداً ووُئدت الأخلاق بعدما اتهمت بالتخلف والرجعية.

لن أُبرأ الاسرة من تلك الجريمة التي تقتل هويتنا وتحاول شنق وجودنا، وفي نفس الوقت لن أقسو على الأسرة التي تم تنحيتها قسراً عن حيزٍ كبير من دورها في التربية، لتنام وتستيقظ وإذا بالشبكة العنكبوتية كبلت يمناها واحتلت جزءاً من دورها, بينما وسائل التواصل كبلت الأخرى، والإعلام جثم على صدرها دون رحمة. إضافة للعديد من العوامل التي تشل تفكيرها وتشوه قيمها وأني هنا لأقف محتارة هل الأسرة متهمة أم مجني عليها في هذه الجريمة ؟

ولا ننسى أيضا الفراغ الكبير الذي تركه المعلم الأب , القدوة الذي كانت له من الهيبة والاحترام في عيون طلابه ما يخوله ليكون قدوة حسنه يحلم البعض أن يكونوا مثله , ويد أمينة تدق ناقوس الخطر عند الضرورة فتوقظ ماهو على وشك النوم من القيم والمباديء.

ألا إننا بحاجة لحلول جذرية تتضافر لتطبيقها كل الجهات المعنية , بحاجة لصفعة توقظ قلوبنا النائمة وتخرج عقولنا من غيبوبة المظاهر التي غرقت بها و بحاجة لفرك أعيننا كي نستعيد قوة بصرنا لنرى ماهو أبعد وأهم من بطوننا , بحاجة لنفتح بصيرتنا فنرى عند وقوفنا أمام المرايا ماهو أبعد من ملابسنا وماركاتها , إننا بحاجة لنرى أرواحنا على طهرها التي خلقها الله عليه لعلنا نستطيع انقاذ الجيل القادم من الدمار الأخلاقي ومن طوفان الأفكار التي غزت عقولهم عبر الشاشات ومن العبوات الفكرية والأخلاقية المنحرفة التي قد تنفجر في وجوههم وعقولهم في أي لحظة في غياب قدوة ترشدهم للطريق الصحيح.

تابع قراءة عشرات المقالات الملهمة على زد

للاشتراك في خدمة الرسائل عبر الواتس اب

ارسل كلمة اشتراك عبر الواتس اب

+966502047778


Warning: A non-numeric value encountered in /home/rmooosh/public_html/wp-content/themes/Newspaper/includes/wp_booster/td_block.php on line 352