من سنن الله في الحياة أن الأمم تقوم وتندثر ولا يبقى من تاريخها إلا الذكريات والأطلال. للحفاظ على هذه الذكريات والتأمل فيها وأحوال أصحابها، فإن الإنسان كوّن المتاحف وملأها بكل آثار الماضي لمطالعة تلك الآثار ودراستها، وحتى يتمكن الباحثون والعوام من مشاهدتها. انتشرت المتاحف في عصر النهضة إلا أن أغلبيتها تم افتتاحه خلال القرن الثامن عشر، وضم كل مآثر الأمم القديمة من نقوشٍ رومانية، زرابي فارسية ومومياوات فرعونية.المتاحف هي مكان لعرض كل ما هو قديم لكن أيضا لعرض مظاهر الحياة الاجتماعية، الهوية، السلطة ومظهر من مظاهر التحضر والعصرنة. عرف المغاربة تجميع التحف والنوادر لكن لم يكن هناك عرض لها بمتحف كما هو بالمعنى العصري فهذه الكنوز بقيت حبيسة الغرف والأقبية إلى حدود سنة 1915 عندما افتتحت الإقامة الفرنسية متحفين بالرباط وفاس.إن كنت من عشاق التاريخ ومحبي التعرّف على كيف عاش المغاربة خلال فترات زمنية مختلفة ففي هذا المقال سنعرض لك تسع متاحف من مدن مختلفة قد تشاء الأقدار وتزورها.

1- متحف البطحاء

بمنطقة البطحاء على مقربة من باب بوجلود بوابة المدينة العريقة، تم افتتاحه سنة 1915 وقد كان قصرًا بناه السلطان مولاي عبد العزيز مكملًا بذلك عمل أبيه السلطان الحسن. قبل أن يكون متحفًا، فقد كان إقامة صيفية للعائلة المالكة إلا أن الإقامة الفرنسية حوّلته في التاريخ المذكور أعلاه إلى متحفٍ جهوي للفنون والعادات. يضم المتحف حاليًا أكثر من 7000 تحفة في مساحة تقارب الهكتار بها أقدم مسكوكات النقود خلال العصر الإسلامي إضافةً لمجموعة متنوعة من الملابس والحلي التي تميزت بها العاصمة العلمية إضافة للمخطوطات والمنابر التاريخية بها. حتى لو لم تكن أي قطعة لتزيين هذه الإقامة فمجرد المشي بين أروقتها المبلطة والتفسح في غرفها الواسعة له متعة خاصة.

2- متحف النجارين

بوسط المدينة القديمة لفاس أو ما يطلق عليها فاس البالي بمنطقة النجارين. هو في الأصل كان فندقًا للنجّارين (الفنادق في المغرب كانت اسمًا شائعًا لما يشبه الخان في المشرق) بُني سنة 1711 على عهد السلطان العلوي مولاي إسماعيل. مكوّن من ثلاثة طوابق ويعتبر أول متحف خاص ومتخصص في الفنون والصناعات الخشبية بالمغرب. يحتاج الوصول للمتحف بقلب المدينة أن تمر من الأزقة والدروب التي تُعد هي الأخرى متحفًا مفتوحًا لمدينة العشرة آلاف درب.

3- متحف دار السلاح

في منطقة المرينيين العالية بالجهة الشمالية للمدينة القديمة ينتصب البرج الشمالي الذي أطلقت عليه أسماء عديدة منذ تأسيسه قبل خمس قرون، فتارةً هو برج النار في زمن وبرج السلاح حاليًا. مكوّن من طابقين إضافةً لقبو وسطح، يتشكل من قاعات كبرى وجانبية تضم زهاء ثمانية آلاف قطعةٍ حربيةٍ عرفها المغاربة في الأزمنة القديمة تقريبًا لخمسة وثلاثين دولة تعاقبت على هذه الرقعة الجغرافية. يتميز المتحف بتصميمه الذي يشهد على تطور بارز في الهندسة العسكرية بالمغرب التي نهلت من القارة العجوز كما هو الحال مع دار السلاح البرج ذو التصميم الإيطالي.

4- المتحف الأثري

الذي أصبح اسمه بعد الترميم متحف التاريخ والحضارات. تم بناء نواة هذا المتحف في ظل الحماية الفرنسية خلال العشرينيات من القرن الماضي، وكان يضم اللقى الأثرية التي كشفت عليها التنقيبات بوليلي وتامودا وغيرهما من المدن القديمة بالمغرب. حاليًا يقدم متحف التاريخ والحضارات تحف وشواهد وآثار لمختلف الحقب منذ فترة ما قبل التاريخ إلى حد الدول المتعاقبة على المغرب الأقصى بعد الإسلام وكل حقبة مصنفة بأقسام وأروقة المتحف الواسعة. يقع المتحف بزنقة البريهي في الرباط العاصمة.

5- متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر

أول متحف بالمغرب متخصص في الفن الحديث والمعاصر. يضم معرضين، أحدهما دائم يضم أعمال فنانين أمثال فريد بلكاهية، مريم مزيان ولالة سيدي وغيرهم من الفنانين الذين بصموا التاريخ المعاصر. والمعرض الثاني مؤقت يتغير طابعه لتوفر للزائر تنوعًا في كل مرة يزور فيها هذا المتحف الذي لا يضم فقط الفن المعاصر بل هو في حد ذاته هندسة معمارية معاصرة. المتحف بوسط العاصمة الرباط بشارع مولاي الحسن على مقربة من محطة القطار.

6- متحف التراث اليهودي

شكّل اليهود عنصرًا مهما في تركيبة المجتمع المغربي ولم تخل أي مدينة أو قرية من تواجدهم إلى حدود ستينيات القرن الماضي ورحيلهم شكّل فراغًا كبيرًا للراحلين ولمن جاورهم. يعد المتحف اليهودي بالدار البيضاء المتحف الأول والوحيد في إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط الذي يعرض لزواره لمحة عن الدين والتراث اليهودي. المتحف الذي كان دارا للأيتام اليهود ومنذ 1977 بات مجهزًا ليضم مجموعات وتحف خاصة باليهود من المغرب وخارجه يساهمون في الحفاظ على هويتهم العريقة بهذا البلد.على مساحة ست مائة متر وبقاعاتٍ مختلفة يعرض المتحف صورًا لليهود مع أدوات عبادتهم وصناعاتهم التي اشتهروا بها إضافةً لعقودهم المكتوبة بالعربية والمنطوقة بالدارجة المغربية، هذا وبالمتحف غرف مخصصة لتكوّن نماذج مصغرة لبيع مختلفة من المغرب كل لها طابع خاص بها. المتحف متواجد بين فيلات الدار البيضاء على مقربة من إحدى محطات القطار للعاصمة الثقافية.

7- متحف مراكش

يقع في وسط المدينة الحمراء على مقربةٍ من مدرسة بن يوسف التي يتطلب الوصول إليها سفرًا عبر التاريخ انطلاقًا من ساحة جامع الفنا بين الأزقة النابضة بالحياة مرورًا برياضات وقصور تاريخية إلى حيث انتصبت دار المنبهي الشامخة منذ نهاية القرن التاسع عشر والتي أصبحت متحفًا من 1997. كما هو الحال مع البطحاء، فإن مجرد الدخول لهذه الدار فهو دخول في التاريخ لما تتميز به من حسن البناء والإبداع في الصناعات المزينة من زليج وجبص مع الدقة اللاتمناهية للنقوش الخشبية والسواري مع الأرض المبلطة التي هي وحدها تتطلب ساعات من التأمل.المتحف يضم كتب ومخطوطات نادرة مع نقود وقطع فخارية إضافةً لبعض الصناعات على رأسها الفروسية. هذا دون ذكر التمتع بالتجول بين الزخارف والألوان التي زينت البيوت المراكشية والمغربية.

8- متحف التراث الأمازيغي

شُيّد المتحف البلدي بمدينة أكادير للوقوف على مظاهر الثقافة المحلية بمنطقة سوس من خلال هذه المؤسسة التي تضم أكثر من تسعمائة قطعة تاريخية تعكس الإبداع الحرفي للإنسان الأمازيغي على مر التاريخ. أروقة المتحف تتشكل أساسًا من القطع الفخارية إضافة إلى الصناعة التي برع فيها السوسيون وهي صناعة الحلي الفضية المزينة بالأحجار المحلية التي لها حمولات ثقافية واجتماعية، إضافةً للخناجر والمحافظ الجلدية التي تميز المنطقة. المتحف بشارع الحسن الثاني بجوهرة سوس أكادير.

9- متحف القصبة

في الشمال المغربي بعروس الشمال في مدينتها القديمة بالجهة الشرقية التي تم ذكرها حتى في النصوص الرومانية القديمة انتصبت دار المخزن وباللهجة المغربية تعني مقر إقامة السلاطين. دار المخزن في طنجة بنيت في القرن السابع عشر على أطلال قديمة وعلى يد المولى إسماعيل وهو حاليًا متحف للفنون المغربية إضافةً لاعتباره متحفًا للآثار. بعض الأعمدة المستخدمة في بنائه هي من أصل روماني اختلطت بالعمارة الإسلامية فشكّلت لنا متحف القصبة بأروقته وأقسامه الثلاث التي تهدف للتعريف بتاريخ وحضارة هذه المدينة الأسطورية على مر العصور كما يحكي لنا عن الدور الذي لعبته المنطقة كنقطة مهمة بالبحر الأبيض المتوسط وكبوابةٍ لبحر الظلمات.

متحف الصويرة، متحف تطوان، متحف شفشاون:

هي متاحف تاريخية تضم قطعًا وآثارًا قديمة خاصةً بالمناطق التي احتوتها، هذا ونجد بمراكش متحف الماء الذي يهدف إلى التعريف بثقافة الماء القديمة في المغرب إضافةً لمتحف الاتصالات ومتحف النقود بالرباط مرورًا بمتاحف فنية أخرى بالدار البيضاء.المتاحف صورة للحياة ودعوة للرقي والازدهار حتى تجد الأجيال القديمة شيئًا تتذكرنا به إضافةً لما تحمله زيارة المتحف من متعة وفائدة.