لم يكن ابن سيرين مجرد مفسر للأحلام كما يظن البعض، بل كان فقيهًا ومحدثًا وعالمًا باللغة والأنساب، وكان له حضور علمي بارز في مدينة البصرة خلال القرن الأول الهجري. وقد جمع بين العلم والعمل، وبين المعرفة والورع، مما جعله نموذجًا للعالم الرباني الذي يُقتدى به.
نشأ ابن سيرين في بيئة علمية متميزة، حيث كانت البصرة آنذاك مركزًا مهمًا للعلم والفقه والحديث، مما أتاح له فرصة التتلمذ على كبار الصحابة والتابعين. وقد عُرف منذ صغره بالذكاء وسرعة الفهم وحب التعلم، فحفظ القرآن الكريم، واهتم بدراسة الحديث والفقه واللغة العربية.
أنس بن مالك رضي الله عنه
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
أبو هريرة رضي الله عنه
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
وقد استفاد من هؤلاء الصحابة في الحديث والفقه وتفسير القرآن، مما كوّن لديه قاعدة علمية قوية ومتينة. كما كان يجالس العلماء ويتناقش معهم، وكان معروفًا بحبه للبحث والتأمل.
لم يكن ابن سيرين متعجلًا في طلب الشهرة، بل كان همه تحصيل العلم النافع والعمل به، ولذلك عُرف بالزهد والورع والصدق في القول والعمل.
لم يكن ابن سيرين يجيب على كل سؤال يُطرح عليه، بل كان يتوقف عند ما لا يعلم، ويقول: “اتقِ الله في اليقظة ولا يضرك ما رأيت في المنام”. وهذا يدل على تواضعه وخوفه من القول بغير علم.
وكانت حلقاته العلمية في البصرة مقصدًا لطلاب العلم، حيث يجلس الناس ليستمعوا إلى تفسيراته ونصائحه وتوجيهاته.
كان ابن سيرين يفرّق بين أنواع الأحلام الثلاثة:
الرؤيا الصادقة: وهي من الله، وتحمل بشارة أو إنذارًا.
الحلم: وهو من الشيطان، ويهدف إلى إزعاج الإنسان.
أضغاث الأحلام: وهي من النفس نتيجة التفكير والانشغال.
وكان يؤكد أن تفسير الرؤيا يختلف باختلاف حال الرائي، فلا يمكن إعطاء تفسير واحد لشخصين مختلفين.
ربط الرموز بالقرآن الكريم، فمثلًا كان يربط رؤية اللبن بالفطرة.
الاعتماد على السنة النبوية في تفسير بعض الرموز.
مراعاة المهنة والحالة الاجتماعية للرائي.
السؤال عن تفاصيل الحلم قبل التفسير.
تجنب تفسير الرؤى المكروهة أمام الناس.
وكان ابن سيرين يرى أن الرؤيا قد تكون خيرًا لشخص وشرًا لآخر، حسب حاله وسياقه.
وقد أصبح كتاب تفسير الأحلام المنسوب إلى ابن سيرين مرجعًا رئيسيًا في التراث الإسلامي، وتُرجم إلى عدة لغات، وما زال يُطبع حتى اليوم.
التقوى الشديدة
الخوف من الله
الصدق في الحديث
الأمانة في الفتوى
التواضع
وكان إذا سُئل عن رؤيا لا يعلم تفسيرها، امتنع عن الإجابة، خشية الوقوع في الخطأ.
وكان الناس يقصدون ابن سيرين ليس فقط لتفسير الأحلام، بل للاستشارة في أمورهم الدينية والدنيوية، لما عُرف عنه من حكمة وبصيرة.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عشر قرنًا على وفاته، ما زال اسم ابن سيرين حاضرًا بقوة في كتب التراث، والمراجع الإسلامية، والمواقع المتخصصة في تفسير الأحلام.
لأنه وضع منهجًا علميًا في تفسير الأحلام.
لأنه كان صادقًا في قوله وفعله.
لأن تفسيراته اعتمدت على القرآن والسنة.
لأنه كان مرجعًا موثوقًا في عصره.
إن سيرة ابن سيرين تُظهر كيف يمكن للعالم أن يجمع بين المعرفة والأخلاق، وبين الفقه والزهد، وبين العلم والعمل.