كيف كان الناس يزيلون رائحة العرق قديماً؟

د الهنوف الحربيآخر تحديث :
كيف كان الناس يزيلون رائحة العرق قديماً؟
كيف كان الناس يزيلون رائحة العرق قديماً؟

قد يبدو لنا أن مزيلات رائحة العرق هي اختراع حديث ارتبط بظهور المصانع والشركات الكبرى، لكن الحقيقة أن مواجهة “رائحة الجسم” هي معركة أزلية خاضتها البشرية منذ آلاف السنين.

قبل ظهور البخاخات وعبوات “الرول أون” (Roll-on)، ابتكرت الحضارات القديمة طرقاً مذهلة، وأحياناً غريبة، للحفاظ على النظافة والرائحة الطيبة، مستعينة بذكاء شديد بكل ما تجود به الطبيعة من أعشاب، زيوت، ومعادن.

إليك جولة تاريخية تكشف كيف تعامل أجدادنا مع رائحة العرق عبر العصور:

كيف واجه الفراعنة رائحة العرق قديماً؟

لم يكن للمصريين القدماء مثيل في الاهتمام بالنظافة الشخصية، لدرجة أن الأطباء الفراعنة وصموا رائحة الجسم الكريهة بأنها “مرض” يجب علاجه.

ابتكر الفراعنة عدة حيل مدهشة لمواجهة العرق:

  • حلق شعر الجسم: كانوا أول من أدرك أن شعر الإبطين يساهم في حبس البكتيريا المسببة للرائحة، فكان حلق شعر الجسم بالكامل خطوتهم الأولى.

  • كرات التوابل الموضعية: كانوا يخلطون راتنج أشجار المر (Myrrh)، مع بذور الكرفس، واللبان، والنعناع، ويصنعون منها كرات صغيرة يضعونها تحت الإبطين.

  • الأقماع العطرية: في الحفلات والمناسبات، كان النبلاء يضعون أقماعاً مصنوعة من دهن الثور أو الغنم المخلوط بالزيوت العطرية فوق رؤوسهم. ومع حرارة الجو، يذوب القمع ببطء لينساب على الوجه والرقبة، مغطياً على أي رائحة عرق طوال الأمسية.

طرق الرومان والإغريق للتخلص من رائحة العرق قديماً

ورث اليونانيون والرومان شغف المصريين بالعطور، لكنهم أضافوا إليها هوساً كبيراً بالاستحمام اليومي.

  • الاستحمام بالزيوت: لم يكن الرومان يستخدمون الصابون كما نعرفه اليوم؛ بل كانوا يدهنون أجسادهم بالكامل بزيوت معطرة (مثل زيت الزيتون المخلوط بالقرفة أو الهيل)، ثم يستخدمون أداة معدنية معقوفة تسمى “الستريجيل” (Strigil) لكشط الزيت ومعه الأوساخ والعرق الميت من على الجلد.

  • تعطير الملابس والحيوانات: وصل هوس الرومان بالعطور إلى حد رش الكلاب الأليفة والخيول بها، ونقع ملابسهم وأسرّتهم في محاليل عطرية مكثفة.

كيف تعاملت آسيا مع رائحة العرق قديماً؟

في الصين وكوريا واليابان، اتخذت محاربة العرق منحى مختلفاً يعتمد على المعادن والنباتات:

  • حجر الشبة (Alum): استخدم الصينيون القدماء حجر الشبة الملحي؛ حيث كانوا يبللونه بالماء ويمسحون به تحت الإبطين. هذا الحجر يملك خصائص طبيعية مضادة للبكتيريا (Antibacterial)، وهو يمنع تكاثر البكتيريا المسببة للرائحة دون سد مسام العرق. (وهو بالمناسبة نفس المبدأ الذي تقوم عليه بعض مزيلات العرق الطبيعية اليوم).

  • التوابل وأكياس الشاي: في اليابان، كان الاعتماد الأكبر على النظام الغذائي القائم على الخضروات والأسماك والذي يقلل طبيعياً من حدة رائحة العرق، إلى جانب استخدام أكياس صغيرة من الأعشاب المجففة وأوراق الشاي الأخضر لامتصاص الرطوبة والروائح.

4. العصر الإسلامي: ثورة “زرياب” والنظافة كعبادة

مع انتشار الحضارة الإسلامية، تحولت النظافة والتطيب من رفاهية تقتصر على الملوك إلى جزء أساسي من الحياة اليومية لعامة الناس لارتباطها بالعبادات (كالوضوء والغسل والجمعة).

في الأندلس، أحدث العالم والفنان الشهير “زرياب” ثورة حقيقية في هذا المجال خلال القرن التاسع الميلادي:

  • مستحضرات تحت الإبط: ابتكر زرياب وصفات خاصة لإزالة رائحة الإبطين باستخدام مساحيق مستخلصة من مركب “المرتك” (أكسيد الرصاص المغسول) مضافاً إليه ماء الورد والمسك.

  • تغيير الملابس: هو أول من وضع فكرة تغيير الملابس بحسب الفصول (الملابس البيضاء الخفيفة في الصيف، والداكنة الصوفية في الشتاء)، مما ساعد كثيراً في تقليل تراكم العرق في الثياب.

5. أوروبا في القرون الوسطى: العصر المظلم للنظافة

على العكس تماماً من بقية العالم، شهدت أوروبا في العصور الوسطى تراجعاً حاداً في مفهوم النظافة الشخصية. شاع لديهم اعتقاد طبي خاطئ بأن الاستحمام بالماء يفتح مسام الجلد ويسمح للأمراض والطاعون بدخول الجسم!

كيف كانوا يتعاملون مع الرائحة إذن؟

  • التغطية بدلاً من الإزالة: كان الحل هو إخفاء الرائحة الكريهة برائحة أقوى. لذا، انتشرت العطور الثقيلة للغاية القائمة على المسك والعنبر واللافندر.

  • باقات اليد (Tussie-Mussie): كان النبلاء والنساء يحملون باقات صغيرة من الزهور والأعشاب العطرية في أيديهم وقرب أنوفهم طوال الوقت، حتى إذا مروا بقرية أو تجمع بشري تفوح منه روائح العرق، اشتموا الزهور فوراً.

متى ظهر أول مزيل عرق حديث؟

ظل الوضع يعتمد على الوصفات الطبيعية والعطور حتى عام 1888، عندما تم إنتاج أول مزيل عرق تجاري في التاريخ وحمل اسم “Mum” (موم)، وكان عبارة عن كريم يحتوي على مركب الزنك الذي يقتل البكتيريا. بعد ذلك في عام 1903، ظهر أول مضاد للتعرق (Antiperspirant) تحت اسم “Everdry”، وكان يعتمد على كلوريد الألومنيوم لسد مسام العرق مؤقتاً.

الخلاصة

من كرات الكرفس الفرعونية، إلى حجر الشبة الصيني، ومكاشط الزيت الرومانية، يثبت لنا التاريخ أن مواجهة رائحة العرق قديماً لم تكن مجرد رفاهية، بل كانت حاجة بشرية فطرية دفعت الشعوب للابتكار المستمر من خيرات الطبيعة. ورغم بساطة الوسائل المتاحة في تلك العصور مقارنة بمزيلات العرق الحديثة، إلا أن أجدادنا نجحوا بذكاء في وضع الركائز الأولى لثقافة النظافة الشخصية والتطيب التي نتمتع بها اليوم.